الفريك

من الآخر
03:40 صباحا
قراءة دقيقتين
محمدعلي النومان
معارك الموائد العالمية ليست بالمعارك السهلة أو البسيطة، فهي تتطلب تجنيداً وتشميراً عن الأذرع، ترقباً لكل ما هو مشمّر ومحمّر. فهناك على سبيل المثال، أطباق ذات نكهات إفرنجية، تستدعي أكماماً طويلة، وربطات عنق منسقة وابتسامات منمّقة، حتى تتماشى مع الموضة الإيطالية التي يزدهي بها ممرّ «الكات ووك» المؤدي إلى ساحة تلك المعركة.
وهناك أطباق من النوع الشامي الأصيل، ترسانتها مشكلة من مقبلات ومشاويّ وحلويات، إنزال جوي لا ينتهي على سطح طاولة معركتك من أولها إلى آخرها، لا يترك موطئ قدم لجند مشاة أو درك من أتباعك للدفاع عنك حيالها، قصف لا ينتهي إلا بعد الاستسلام الكامل من العدو الذي هو أنت «أبو كرش».
وهناك أطباق أصحاب السواري المزركشة بالبزار والفلفل، التي تتباهى بذخائرها من البارود الأحمر، ناهيك بالأسود، والتي تحرق الأخضر واليابس. طلائعها معززة بأفيال محمّلة بالقنابل، عفواً بالتوابل، وآخر خطوطها تنهال على أمعائك بالسوائل، من كتيبة جبل سيلان.
ونختم لضيق المساحة، بأطباق جيوشها يقودها الفريق أول «مِلاس»، والتي ترمي بكل معاهدات الحروب عرض الحائط، ولا يوجد لديها مكان لأسرى حرب، وتظل تغلي في ميدان يسمّى «ندّ الجدور». أما ضربتها القاضية، فتلقب «بالخَمس»، وهي من النوع الفتاك الذي لا يبقي ولا يذر، وعادة ما ينام بعدها كل من على أرض المعركة، نومة كهفية لا يستفيقون منها إلا بعد موتة سريرية، وكثُر لم يستفيقوا منها بعد.
من ناحية أخرى، تُقدم على موائد بعض أنديتنا أطباق عدّة ومتنوعة، إنما آثرنا في هذه المقالة أن ندعوكم إلى أشهرها فقط.
يعدّ هذا الطبق تاج مائدة ناديه وسيده الآمر الناهي، وكأنه الحكم الذي لا يناقش في ساحة المستطيل الأخضر. يلعب دور المقبلات تارة، والطبق الرئيسي تارة أخرى، وحتى طبق الحلويات، كل هذا ولا يدع أحداً يلتهمه، تجده أمام الإدارة وقت الإفطار، وأمام اللاعبين مدة الغداء، وحتى مائدة عشاء الجماهير لا تسلم من مغص رؤياه.
وباستعراض ما أسلفنا عن جيوش الأطباق، لن نجد بينها أو حتى بين أصناف كثيرة غيرها، مهما بحثنا، طبقاً وقد أصبح الأوحد عبر عصور بطوننا، إنما على العكس، فهذه الأطباق لم تنتصر وتفتح كل تلك الكروش، لولا التعاون المثمر فيما بينها، والسعي نحو هدف أوحد، ألا وهو تسيّد موائد البطون.
ذلك الطبق لا يرحل عن مائدة ناديه، حتى عندما يرحل كل من حولها من صحون وقدور، وتسقط هي وما عليها من سكاكين وملاعق، فمرض السَلطه، عفواً السُلطة، أكبر من رغبات بُطُون المشجّعين الجائعين. ولم لا؟ وطبقنا المشهور يعرف باسم طبق «الفريك»، أما شهرته، فهي «ما يحبش أي شريك».
[email protected]
Twitter:@nomanhala

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"