مرّات عدة أشرت إلى رسالة الماجستير التي وضعها الشاعر د. أحمد أمين المدني بالإنجليزية وتقدم بها إلى إحدى الجامعات في لندن، ولم تنشر إلى الآن، بل، لا يُعرف عن هذه المادة أي معلومة أرشيفية، والجديد هنا في إطار قصة هذه الموروثة الأكاديمية التي تركها المدني هو حياته في بغداد، وصلته ببدر شاكر السياب في أثناء الفترة الدراسية التي أمضاها في العراق، وكانت له صلات ثقافية أيضاً مع طارق عزيز وزير الخارجية العراقي في عهد صدام حسين، ويُذكر دائماً أن الوزير كان يكتب القصة القصيرة.... هل من مراسلات أدبية جرت بين د. المدني وعدد من الكتاب العراقيين في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين؟.. وإن كان ذلك واقعاً وجرى بالفعل، فأين هذه المادة الثقافية التي تكشف لنا عن شخصية المدني الأدبية والحياتية، وهي بلا شك مادة تاريخية توثيقية بالنسبة لاسم إماراتي هو واحد من روّاد الشعرية الجديدة في الخليج العربي.
كتب د. مدني قصيدة العمود الخليلي بنظامه وخصوصيته التقليدية الجمالية، وكتب قصيدة التفعيلة بنظامها الحديث، لكنه لم يكتب قصيدة النثر، ولكن، في الوقت نفسه لم يكن له موقف سلبي منها، وكان فوق هذا وذاك، ذوّاقة شعر، وناقداً علمياً للقصيدة العربية.
في التسعينيات التقيت د. المدني مرّات عديدة في دبي، وجمعتنا ليلة شعرية دافئة ذات شتاء في بيت الصديق الشاعر المثقف في القصيدة العربية عارف الخاجة.. كان عارف وما زال سيّد اللحظات الجميلة دائماً، وإن كان من تداعيات هنا على ذلك المساء الشتائي، فهو هذا السؤال الذي يحيط بي دائماً:.. أين عارف؟
أين شعر عارف الخاجة؟ عارف هذه الأيام، وعارف القصيدة العمودية، وعارف قصيدة التفعيلة؟
أين عارف الكاتب الصحفي؟ وأين عارف مؤلف الأُوبريت الشعري المهرجاني الملوّن؟.. وأين عارف ملك الضحك المؤدب الذكي والسخرية المضمرة حيناً، والعلنية حيناً آخر حين يكتشف الزيف والغرور؟
عارف الخاجة شاعر «كلّه على بعضه» مبني على الصدق والأصالة وفطرة اللغة وبياضها الذي لا يدانيه أي خدش أو عكر...
بالصدفة ربطت بين أرشيف د. المدني الغائب أو لنقل المهمل، وتلك الليلة العارفية أو – العرفانية – المؤثثة بالشعر والحياة والصداقة.. كثير من الحياة الجميلة غاب اليوم عن العلاقات بين الشعراء، وكثير من الليل طغى عليه صخب النهار، ولم يَبْق لنا سوى الذكريات نستعيدها من هنا وهناك على شكل صور مجرّد صور.
ولعل أجمل ما في ذاكرة الإنسان أنها قادرة على رواية «قصة قصيرة» من هذا النوع الذي تقرأه الآن..
[email protected]