عبد الإله بلقزيز
الاعتقاد السّائد لدى السّواد الأعظم من النّاس، في المجتمعات التي تدين بأديان (توحيديّة وغير توحيديّة)، أنّ ما يُنْظَر إليه بوصفه شأناً دينيّاً أو ذا مصدرٍ دينيّ من القيم والأعراف الدّارجة في الحياة العامّة، هو فعلاً كذلك. وأنّ الدّروج عليه والتّمسك به إنّما ينتمي إلى الالتزام الصّارم بما قضت به أحكامُ الدّين، أكانت نصوصاً أو أفعالاً أتاها الأنبياءُ ورؤساءُ الأديان فصارت سُنّة تُقْتَدى من قِبَل معاصريهم ومَن أتى بعدهم.
يكاد أن لا يشُكَّ أحدٌ في ذلك من فرْط ما ينعقد على المعتَقَد في دينيّتهِ مِن إجماع النّاس، ومن شِدّة أثرِ الموروث في نفوسٍ يَرْسَخ فيها الرّسوخَ الذي تتكوّن به طبيعة ثانية لها. ومن البيّن أنّ التّسليم الجمْعيّ بالمصدريّة الدّينيّة لِمَا هو مدروجٌ على النّظر إليه والعملِ به بوصفه كذلك، ليس مسبوقاً بتبيُّنٍ لحقيقة تلك المصدريّة الدّينيّة أو تفكيرٍ فيها، بل هو تسليمٌ بمعطى قائم ومتوارَث يستبدهُه النّاس، بالتِّلقاء، ولا يستريبون في نسبه الدّينيّ. إنّه في جملة ما يُبْتَدَه من الآراء والأشياء في المجتمع لمجرّدِ الظّنّ بأنّها من صميم الدّين.
هذه حالُ الكثير من الاعتقادات والقيم والعوائد والأعراف الاجتماعيّة التي هي من مواريث المجتمعات، وربّما هي تعود زمنيّاً إلى أحقابٍ سابقة لاعتناق هذا الدّين أو ذاك من المجتمعات تلك. ما أكثر الطّقوس الاحتفاليّة، مثلاً، التي عُدّت، في مجتمعٍ مّا، من الدّين بينما هي من مألوفات ذلك المجتمع، وما أكثر القيم والعادات التي نُسبت إلى الدّين فيما هي من إنتاج المجتمعات.
ولقد يفيدنا علم الاجتماع الدّينيّ - والأنثروبولوجيا الدّينيّة خاصّةً - في معرفة الأسباب التي تكمن خلف الاعتقاد الجمْعيّ بدينيّة ما هو اجتماعيُّ المصدر، مثلما يُسعفنا تاريخ الأديان بأدوات السّبْر والفرْز التي تسمح بفكّ لغز الاشتباك في الظّاهرة الواحدة بين الاجتماعيِّ والدّينيّ. إنّها علومٌ اكتسبت خبرةً طويلة في مقاربة الظّواهر المركَّبة المتشابكة التي يصنعها تَضافُرُ عمل عوامل متعدّدة من قبيل ظاهرة التّداخُل الالتباسيّ بين الاجتماعيِّ والدّينيّ.
لا يمكن فهم هذه الظّاهرة إلاّ متى أدركنا أنّ الدّين، أيّ دين، خاصّةً الذي ينحو نحو الانتشار الأفقيّ خارج موطنه، يتأقلم - عادةً - مع المجتمعات التي يفشو فيها وتعتنقه شعوبُها، إذْ هي مجتمعاتٌ تتلقّى الأديان القادمة إليها - سواء في ركاب الفرسان أو في ركاب التجار والدُّعاة - وهي متشبّعة بمنظومات أنثروبو- ثقافيّة وعَقَديّة، وهذه لا تبقى، قطعاً، محايدة في عمليّة الاستقبال الجماعيّ للدّين الجديد، بل تفعل فعلها من خلال عمليّة التّلقّي والتّشبّع.
هكذا يصطبغ الدّينُ الواحد بأصباغ المجتمعات التي تتلقّاه، فتتحوّل ممارسة نظامِهِ الاعتقادي ونظامه الشّعائريّ إلى ممارسةٍ يتداخل فيها الموروث (الاجتماعيّ) مع الوافد (الدّينيّ)، أي هي تمارس النّظامين معاً من طريق الأطر السلوكيّة المعتادة والمدروج عليها.
إذا كانت هذه حالاً مفهومة وشبه عادية في علاقات الحواضن الاجتماعيّة بالأديان، فإنّ الذي قد يبدو فيها «غيرَ مفهوم» هو أن يصيرَ الاجتماعيُّ، أحياناً، دينيّاً أو من الدّين في اعتقاد النّاس، وتكون سيرتُهم معه سيرتَهم مع ما هو دينيّ، يتمسّكون به تمسُّكَهم بما هو في حكم المقدّس. إنْ كان هناك ما هو أَظْهَرُ تمثيلاً لذلك، فهو ما يُطْلَق عليه اسم التّديُّن الشّعبيّ، إنّه التّجسيدُ الأكثرُ جلاءً لعمليّة نقْل الاجتماعيّ والأنثروبولوجيّ إلى دينيّ، أي إلى ممارسة الطّقس الموروث (ما قبل الدّينيّ) طقساً دينيّاً تُخْلَع عليه أرديةُ القداسة.
هذا، مثلاً، ما وقع - ويقع - في مجتمعات الأديان التّوحيديّة إلى درجة أنّ الكثير من الاعتقادات والطّقوس الوثنيّة، الضّاربة جذوراً في تاريخ تلك المجتمعات، تُطِلّ برأسها في الحياة الدّينيّة التّوحيديّة لتلك المجتمعات متخلِّلَةً الأنظمةَ الاعتقاديّة والشّعائريّة لمعتنقي أديان التّوحيد. وهذه حقائق تُظْهِرنا على ما للاجتماعيِّ من سلطانٍ ضاربٍ يمتدّ إلى حيث يُكيِّف الدّينيَّ نفسَه مع أحكامه، بل إلى حيث يتمظهر (الاجتماعيّ) في صورةِ الدّينيِّ المقدّس.
قد يقال إنّ هذا التّعالي بالاجتماعيِّ إلى مستوى الدّينيِّ لا يحدُث إلاّ في البيئات الجاهلة بأحكام الدّين، مثل بيئات الشّعوب، أمّا عند النّخب العالِمة فليس ثمّة ما يدعو إلى مثل هذا الخلط، في وعيها، بين صعيديْن مختلفين. وليس الاستدراكُ هذا صحيحاً، أَلْبَتَّةَ، ولا التّاريخُ الدّينيّ يشهد له.
على العكس من ذلك، وجدنا لسلطان الاجتماعيِّ وطأةً على وعي علماء الدّين في اشتغالهم بعلومهم وتأصيلِهم أصولَها. وما أكثر الأصوليّون والفقهاء واللاّهوتيّون الذين أَلفَوْا أنفَسهم، عند التّشريع ووضْعِ قواعدِهِ، يستدخلون الاجتماعيَّ في ذلك التّشريع الدّينيّ من خلال شرعيّة الكثير من الأعراف - السّابقة للدّين وجوداً - وإدماجِها في منظومة الأحكام الفقهيّة. قد يُسْتَدرَك على هذا بالقول إنّ ذلك كان منهم من باب استحسانها وتقديرِهم موافَقَتَها للدّين، وهذا استدراكٌ مقبول، ولكن لا من زاوية دقّةِ مبرِّر ذلك الاستحسان، بل من زاوية الشّعور بأنّ للاجتماعيِّ سطوةً على النّفوس لا سبيل إلى ردّها ولا إلى ترويضها إلاّ بإسباغ المشروعيّة الدّينيّة على كثيرٍ من أشياء ذلك الاجتماعيِّ، وإعلاء مكانتها إلى حيث تصير من الشّرع.
[email protected]