تأخذ قاعة مجلس الأمن شكل حدوة حصان، أو شبه دائرة غير مغلقة. وإذا أردت، تبدو القاعة تشكيلياً أقرب إلى صورة كعكة، وهي الرمزية النفعية التي يمكن الانطلاق منها عند التوصيف الثقافي لهذا الكيان العالمي الذي نشأ عام 1946، بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الوقت، وإلى اليوم تتنازع هذه الكعكة الدولية تلك القوى المنتصرة في الحرب، والمتحالفة معها، غير أن القوى تضمن دائماً الإمساك الكلي بالمجلس أو بالكعكة، من خلال حق عجيب يتناقض تماماً مع فكرة العدالة أو روح القانون وهو حق «الفيتو» أو الرفض.
بعض سياسيي العالم شعروا بهذه اللا أخلاقية الفادحة في حق «الفيتو» هذا، فأخذوا ينادون بإلغاء أو إصلاح أو تعديل المواثيق التي تحكم عمل المجلس، لكن هذه العملية معقّدة وطويلة، ذلك أنها محكومة بدورها إلى مصالح دول، وتقاطع هذه المصالح أو تضاربها، وذلك في ضوء العلاقات الدولية بين البلدان الآسيوية والأوروبية بشكل خاص، تلك العلاقات المرتهنة دائماً إلى قضايا حدودية، أو تحالفات سياسية وعسكرية واقتصادية يحميها دائماً ذلك القانون المجحف: «الفيتو».
إلى هنا، الكلام سياسي أو توصيفي عام، ومهمة هذا العمود ثقافية تماماً، فأين ما هو ثقافي في ظاهرة مجلس الأمن، أو ظاهرة هذه الكعكة الرمزية التي على شكل حدوة حصان؟ ببساطة، إن شيئاً من انتهازية قصة حصان طروادة موجود في ظاهرة مجلس الأمن: هذا الشيء غير المادي هو (الخدعة)، ولعل الكثير من الخداع تقوم عليه السياسة التي تحوّلت إلى فن، ولكنه فن زئبقي مراوغ.
من زاوية ثقافية يتحدث مندوبو المجلس عادة وسط هالة إعلامية تساعد عليها صورة الكاميرا، وهي صورة مشغولة بعناية مهنية فائقة، بخاصة حين يستشهد بعض هؤلاء المندوبين الدوليين في كلماتهم السياسية بمقاطع من قصائد لشعراء من بلدانهم أو من العالم، وهو خداع آخر يقوم على استغلال الأدب، الشعر بخاصة، في محفل دولي لا عدالة في الكثير من قراراته، ولا أدب في صياغاته السياسية الماكرة أحياناً، والمواربة، وأحياناً الغامضة.
تتصدّر مجلس الأمن لوحة تشكيلية كبيرة تحمل إشارات فنية أو أدبية أو جمالية تتناقض كلياً مع بعض القرارات الكارثية التي يتخذها المجلس، لا بل إنني أكاد أجزم بأن الكثير من الأعضاء الدائمين: أعضاء «الفيتو» أو الآخرين ذوي العضوية الرمزية، لا يعرفون شيئاً عن تاريخ الفن أو تاريخ الشعر.
كل هذا ليس مهماً بالمطلق، المهم ثقافة دولية إنسانية، قانونية وأخلاقية ينهض عليها إصلاح مجلس الأمن، وهذه الثقافة بالطبع، هي ثقافة الأعضاء البشريين في هذا الكيان الذي لم يشبع الكبار فيه من أكل كعك العالم وخبزه.
[email protected]