حماية الموروث تجديده

00:19 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز
أكثر منتوجات الثّقافة الشّعبية يقدِّم نفسَه على نحو مُرْسَل غيرِ مدوَّن، الأمر الذي قد يعرِّضه -مع توالي الزّمن- إلى الضّياع والاندثار، والأمر لا يتعلّق، هنا، بالمنتوج الشّفهيّ (الشّعريّ، الحكائيّ، الغنائيّ...) الذي قد لا يجد فرصةً لأن يُدَوَّن كتابةً ويُنْشَر، بل يتعلّق بكلّ منتوجٍ ثقافيّ شعبيّ تصويريّ، أو صوتيّ، أو حركيّ كمثل الرّسوم والنّقوش والمنسوجات والموسيقا والرّقص... إلخ، إذ قد يَعْرِض لهذه جميعِها ما يَعْرِض للشّفاهيّ من الضّياع إنْ لم يقع تعهدها بالحماية والحِفظ، وغنيّ عن البيان أنّ الضّياع هذا، إنْ حدث (وهو حَدَث ويحْدث باستمرار)، لا يكون ضياعاً لمواردَ ثقافيّةٍ لم يُحْسِنِ المجتمعُ والدّولة صوْنها والمحافظة عليها، فحسب، بل يصبح إضاعةً لواحدة من أغنى ذخائر مجتمعٍ أو شعب وأمّة: الذّاكرة الوطنيّة والقوميّة! لذلك كان صوْن الثّقافة الشّعبيّة من التّلف، وتعهُّدُها بالتّدوين والحِفْظ والرّعاية من أُولى أولويّات كلّ مشروعٍ وطنيّ يروم تحقيق التّنميّة الثّقافيّة الوطنيّة، وتعظيمَ مكتسبات الاستثمار في هذا الرّأسمال الجمْعي الذي تمثّله الثّقافة الشّعبيّة في كلّ مجتمع ولدى كلّ شعب.
من أبده البديهيّات أنّ الدّولة، ابتداءً، هي مَن يقع عليها عبءُ النّهوض بمهمّه التّدوين والحِفْظ تلك، إذ هي التي لها قيمومةٌ على المجتمع ومسؤوليّةٌ تجاه موارده وميراثه الوطنيّ ولا يزاحمُها على تمثيله والوَلاية عليه أحدٌ، ثمّ إنّها -فوق ذلك- الجهةُ التي تحتاز الأدوات والموارد والإمكانيات للإنفاق على مشروعٍ كبيرٍ بحجم حماية الثّقافة الشّعبيّة وتدوينها على الأصول وتأليف المؤسّسات الخاصّة بإنجاز هذا المشروع، وتمويلها ومراقبة عملها...إلخ.
ولكنّ للمجتمع أيضاً مسؤوليّةً في هذا منبعُها من مسؤوليّته تجاه تراثه، وهو يملك تأديتها إمّا مباشرة: من طريق مؤسّساته المدنيّة القائمة، أو التي من شأنه أن يقيمها لهذا الغرض، أو على نحوٍ غيرِ مباشر من طريق دعم مشروعات الدّولة، في هذا النّطاق، والتّبرُّع لها بالموارد الماديّة أو الخبرة غير مدفوعة الأجر. وقد يكون أفضل صيغة للعمل المشتَرك بينهما التّفاهم على برنامجٍ تتوزّع فيه المسؤوليّات بينهما، جنباً إلى جنب مع خيار إشراكِ الدّولة للمؤسّسات المدنيّة في إنجاز مشروع النّهوض بحماية الثّقافة تلك.
ربّما كانت وزارات الثّقافة، من حيث هيكل توزيع سلطة التّنفيذ، هي الإطار القيّم على مثل هذا المشروع من حيث الاختصاص، وقد تُشْرِك معها غيرها من الوزارات فيه (التّربيّة الوطنيّة والسّياحة...) لزيادة التّمويل وتقاسُم الأعباء. وهذا مفيد للغاية من زاوية ما يوفّره من أطرٍ تنظيميّة ومؤسّسيّة ومن موارد ماديّة وبشريّة، لكنّه ليس يكفي ليغطّيَ مشروعاً من هذا النّوع لا يتوقّف التّقدُّمُ في إنجازه على الموارد والإمكانيّات فقط، بل على الكفاءات العلميّة ذات الخبرة في ميدان حِفظ الموروث وتنميته.
لذلك، لا غنىً عن دور الجامعات ومراكز البحث العلميّ ومعاهد الموسيقا ومدارس الفنون في هذا الشّأن، فهي الأقدر على تأليف اللّجان العلميّة الخاصّة، وعلى وضع برنامجِ عملٍ شامل يعتني بتفاصيل عمليّة حِفْظ موروث الثّقافة الشّعبيّة، وعلى المباشرة في إنجازه من خلال الكفاءات العلميّة التي تنتمي إليها. وعليه، فإنّ أوّل عمل وزارات الدّولة هو تمويلُ البحث في هذه الجامعات والمراكز واعتمادُه أساساً لسياساتها في هذا المجال.
على أن الحديث في برنامج حماية الموروث الثّقافي الشّعبيّ وحفظه يستدعي، ابتداءً، إلقاءَ ضوءِ البيان على معنى حِفْظ الموروث. لا يُقْصَد بعبارة حِفْظ ما يحيل إليه معناها المباشِر من الإبقاء على الشّيء كما هو وحمايته من التّلف فقط. هذا مجرّد معنًى أوّل يُقْصَد به صيانةُ الشّيء من الضّياع، ولكنّه هو نفسُه هدفٌ لا يتحقّق إلاّ متى أمكن لذلك الحِفْظ أن يأخذ شكلَ تقليدٍ وإعادة إنتاج.
معنى ذلك أنّ المحفوظ ينبغي أن لا يكون محجوباً فقط، بل أن يُنْسَج على منواله، وأن يُدَرَّس في المدارس كما تُدَرَّس الحِرَف التّقليديّة في مدارس خاصّة. هكذا يصير حفظ الشّيء ممكناً من طريق إعادة إنتاج نظائره وتيسير عمليّة انتقاله من جيل إلى جيل كما تنتقل اللّغة والقيم. على أنّ المعنى الثّالث للحِفْظ والحماية هو الأعلى والأَرغب، أي ذلك المعنى الذي تكون فيه عمليّةُ إنتاج نسخةٍ جديدة من القديم المحفوظ عمليّةً تتجاوز مجرّد الاستنساخ إلى إضفاء حساسيّة جماليّة جديدة على المنتوج، تكون هي التّعبير عن شخصيّة المنتِج الثّقافيّ الجديد والمجتمع الجديد نظيرَ كلّ عمليّة إعادة إنتاج تتمّ بنَفَسٍ جديد.
من البيّن أنّ عبارة حماية الثّقافة الشّعبيّة أضخمُ ممّا يوحي به لفْظُها، لأنّها تُظْهرنا على مشروع ثقافيّ طويل الأمد، متعدّد الأطوار والمراحل، تنهض بعبء إنجازه كفاءاتٌ وخبْرات عدّة برعاية مؤسّسات من الدّولة والمجتمع، مثلما تُطْلِعنا على أنّ مشروع الحماية هذا ليس، في حقيقة أمره، سوى مشروع التّجديد الثّقافيّ في الآن عينه. كلُّ الأدوات التّنظيميّة والبيروقراطيّة والمؤسّسيّة إجمالاً، وكلُّ الموارد الماليّة والكفاءات الإداريّة والتّقنيّة مفيدٌ وضروريّ لتوفير أسباب نجاح هذا المشروع وينبغي، بالتالي، تجنيده لهذا الغرض، على أنّ الشّرط التّحتيّ الذي يتوقّف عليه النّجاح ذاك هو وجود برنامجٍ حقيقي لتنمية البحث العلميّ في الموروث الثّقافيّ الشّعبي.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"