من السابق.. الشعر أم النثر؟

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

تثير دهشتنا نصوص شعرية منقوشة على آثار تعود إلى حضارات موغلة في القدم. نصوص على قدر من الجمال والعذوبة وحتى الحكمة، التي قد لا يبلغها الكثير من شعر اليوم، ما يجعل السؤال وجيهاً: متى ولد الشعر؟ سنقول: إنه قديم قدم الإنسان نفسه، وهذا أيضاً ما قاله الشاعر صلاح عبد الصبور في كتابه «قراءة جديدة لشعرنا القديم»، قبل أن يشير للسؤال: أيهما سبق الآخر في الوجود: الشعر أم النثر؟
وفي الإجابة البديهية على هذا السؤال، سننصرف نحو العلاقة بين الكلام والشعر، أي الكلام اليومي الذي تتفوه به ألسنة البشر وهم يتواصلون في تدبير شؤون الحياة وإدارة العلاقة بين الناس، فطبيعي أنه كان على الإنسان أولاً أن يتكلم، قبل أن يكتب الشعر، حتى لو كان بعض الشعراء ليسوا حكّائين ماهرين، رغم جودة ما يكتبونه من شعر.
ما عناه عبد الصبور بالنثر ليس «ألفاظ الحياة اليومية، بل النثر الفني الذي لا تستعمله الإنسانية إلا في أطوار حضارتها، فيما الشعر هو ابن البداوة والحضارة معاً»، ما يجعله مؤهلاً لأن يسبق النثر الفني، ربما لأنه أكثر تلقائية وعفوية، وقابل لتكثيف القول وإيجازه، وقادر على التلميح والمجاز، فيما للنثر الفني على هيئة حكايات وأساطير ونصوص دينية وتالياً القصص والروايات، شروطه المختلفة.
سبب حرص عبد الصبور على الجمع بين البداوة والحضارة، وهو يتناول منشأ الشعر، عائد، فيما نقدر، إلى أن مبحثه ينحصر في شعرنا العربي القديم، أكان منه الشعر الجاهلي أو ما تلاه من شعر الحقبتين الأموية والعباسية وما تلاهما أيضاً، مع ملاحظة أن قاموس الشاعر الجاهلي يختلف عن قاموس خلفيه الأموي والعباسي أو المعاصر، ففي حين كان الشاعر الجاهلي «صحيفة قبيلته السياسية أحياناً وصحيفة نفسه أحياناً أخرى»، فإن الشاعر في المراحل التالية «أصبح مرتبطاً أكثر بعواصم الخلافة والمُلك، وأصبح الشعر صنعة من الصنائع».
أكان الشعر سابقاً للنثر الفني أم لم يكن، فإنه يظلّ جنساً من التعبير يعيش ولا يموت، كما يراد لنا أن نصدق الحكايات المزعومة عن «موت الشعر»، أمام موجات طالعة حملت حتى بعض المشتغلين بالنقد على القول: وداعاً أيها الشعر! مصورين إياه تعبيراً عن سذاجة الإنسان وطفولته وبدائيته، فيما إنسان اليوم الأشبه بالإنسان الآلي في غنى عن كلّ ذلك.
ليس بوسع الشعر أن يموت. إنه ضرورة من ضرورات الحياة، كما نور الشمس، كما الهواء، كما الماء، لم يكن بوسع البشرية أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام مجردة من الشعر أو حرّة منه. كان لصيقاً بالإنسان وهو يحلم، ويبني مُدناً في المخيلات الغنية، تفوق في جمالها ما تبنيه اليدان.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"