«تسريبات سيغنال».. من يدفع الثمن؟

00:47 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبدالله السناوي

لم يخطر ببال دونالد ترامب أن يتعرض فريقه للأمن القومي لانتقادات حادة وموثقة، أخطر وأفدح مما دأب على توجيهها لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون بمناسبة، أومن دون مناسبة.
في المرتين جرى خرقاً خطيراً في إجراءات سلامة المراسلات السرية. مرة بانتهاك القواعد الصارمة لمراسلات وزارة الخارجية باستخدام خادم خاص للبريد الإلكتروني بدلاً من الحسابات المؤمنة. ومرة ثانية بضم صحفي إلى مجموعة من كبار مسؤولي البيت الأبيض بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ومستشار الأمن القومي مايك والتز، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف ومديرة المخابرات الوطنية تولسي جابارد في قناة غير مؤمنة على تطبيق «سيغنال» لمتابعات عملية عسكرية توشك أن تبدأ ضد قواعد حوثية باليمن.
قيل بالتواتر إن ذلك تم بالمصادفة والسهو! بعيداً عن «نظرية الصدفة» يصح السؤال التالي: لماذا جيفري جولدبيرغ رئيس تحرير مجلة «ذا أتلانتيك» بالذات؟!
حسب التصريحات المتواترة لكبار المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم ترامب، فإن ضمّه جرى ب«الصدفة» دون قصد.
هذه محض فرضية غير مقنعة وغير متماسكة يفندها سجل «جولدبيرغ». هو مزدوج الجنسية، أمريكي وإسرائيلي. عمل مطلع حياته ضابطاً في الجيش الإسرائيلي وخدم لفترة في سجون الدولة العبرية.
بدأ عمله الصحفي بصحيفة «الجيروزاليم بوست» قبل أن يعود للولايات المتحدة صحفياً ب«الواشنطن بوست» حتى استقر به المقام في «ذا أتلانتيك».
وجد «جولدبيرغ» أمامه سبقاً صحفياً لم يتردد في نشره وتحمل مسؤوليته.. انحاز إلى مهنته فوق أي اعتبار آخر.. وفي البداية وصف طبيعة المعلومات المتداولة دون الخوض في التفاصيل الدقيقة.
عندما كذّبت التصريحات الرسمية محتوى تسريبات «سيغنال» قرر إطلاع الجمهور على النصوص الكاملة ليعرف نوع المعلومات، التي تم تداولها عبر قنوات غير آمنة.
أجرى مراجعات قانونية قبل نشر النصوص لحساسيتها المفرطة. تواصل مع مختلف مؤسسات إدارة ترامب سائلاً إذا ما كانوا يعارضون نشرها؟
لم يردّ أحد باستثناء السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، التي قالت عبر البريد الإلكتروني: «كانت هذه محادثة داخلية وخاصة نوقشت فيها معلومات حساسة.. نعم نحن نعارض النشر». لم تحدد ما هي الأجزاء الحساسة، أو كيف يمكن نشرها بعد مرور أكثر من أسبوع على الغارات الأمريكية؟
كان ذلك كافياً قانونياً ومهنياً ليستقر عزمه على النشر. لم يدع «الخبطة الصحفية الكبرى» تفلت من يده.
بانحيازه إلى مهنته تحوّل من صحفي شبه مجهول في الولايات المتحدة إلى صحفي ذائع الصيت في العالم بأسره.
بدأت التساؤلات تطرح نفسها على الرأي العام الأمريكي: من يدفع الثمن؟
طالت الانتقادات رجلين بالذات ووضعت مستقبليهما بين قوسين كبيرين.. الأول، وزير الدفاع هيجسيث، الذي يفتقد أي خبرة عسكرية تؤهله لهذا المنصب.. كل مؤهلاته أنه عمل لفترة ضابطاً في الحرس الوطني ويقدم برامج على شبكة «فوكس نيوز» اليمينية، التي دأبت على دعم وتأييد ترامب.
أعادت فضيحة تسريبات «سيغنال» طرح سؤال صلاحيته من جديد. في بداية الأزمة قال حرفياً: «لم يرسل أحد خطط حرب عبر الرسائل النصية.. هذا كل ما لديّ لأقوله».
بتصاعد الحملات السياسية داخل مجلسي الكونغرس، التي قادها الحزب الديمقراطي، زادت حدة تعليقاته سبّاً وشتماً وتقليلاً من القيمة المهنية لرئيس تحرير «ذا اتلانتيك» «المضلل» و«غير الموثوق به».
بدا ذلك انفلاتاً بالأعصاب وعجزاً بالوقت نفسه عن تسويغ التسريبات، التي كان من الممكن أن تفضي إلى الإضرار البالغ بالأمن القومي الأمريكي وتهديد حياة الطيارين للخطر.
في المحادثات المسرّبة أعلن وزير الدفاع توقيت إقلاع الطائرات الحربية لتنفيذ ضربات محددة باليمن. قال: «إنها لم تكن خطة حرب والتفاصيل لم ترقَ إلى مستوى خطة حرب».. لكنها كانت كافية لتعريض العملية كلها للفشل قبل أن تصل الطائرات إلى أهدافها.
والثاني، مستشار الأمن القومي مايك والتز، الذي أعلن تحمله لمسؤولية التسريب، مرجحاً أن يكون قد ضم «جولدبيرغ» إلى مجموعة المراسلة بالخطأ. كان ذلك نصف اعتراف، نصف تحمل للمسؤولية.
نفى أن يكون على صلة سابقة به، أو أنه يعرفه شخصياً.. «أعرفه فقط من خلال سمعته، وهي مروّعة».
حسب ترامب فإنه ربما كان هناك شخص يعمل لدى مستشار الأمن القومي أضاف الصحفي إلى مجموعة المراسلة على تطبيق «سيغنال». إنها الفوضى الضاربة في مركز صناعة القرار.
وفقاً لجولدبيرغ فإن أحد المشاركين بالمحادثة السرية قال: «على الولايات المتحدة توضيح توقعاتها لمصر وأوروبا»، قاصداً الثمن الذي يجب دفعه نظير عودة الملاحة الطبيعية إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
الكلام برسائله إنذار صريح لما قد يحدث بعد وقت أو آخر. أوروبا انزعجت من الإشارة ومصر تحتاج أن تتنبّه.
لم يُشر المتحدث إلى إسرائيل، التي تتهددها الصواريخ البالستية الحوثية. إنها خارج كل حساب، فأمريكا تخوض الحرب بالنيابة عن أمنها ومصالحها وتغوّلها على المنطقة كلها.
ما حدود التغيير المحتمل في الإدارة الأمريكية؟ التغيير في الوجوه محتمل، لكنه ليس مؤكداً بفائض غالبية مجلسي الكونغرس حتى لا يبدو ترامب مهزوزاً أمام حملات الحزب الديمقراطي.
«الرئيس لا يزال داعماً لفريقه للأمن القومي». كان ذلك تصريحاً موحياً بحدود الحركة والتغيير، الحساب والعقاب.
في كل الأحوال سوف يدفع الثمن من هيبة ترامب والثقة العامة في صلاحية إدارته وكفاءتها.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"