النّقد الذاتي ونسبية المعرفة

00:54 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز

دائماً ما كان الادّعاء بحيازة الحقيقة متلازماً والتّضخّم في الذّات: أكانت ذاتاً فرديّة أو ذاتاً جماعيّة تتعلّق بمجتمعٍ أو أمّةٍ أو مِلّة، ومتلازماً والثّقة المفرِطة بالنّفس وبقدرتها غيرِ المحدودة على الاكتساب إلى حدود الاعتقاد العميق بالتّسامي فوق المعدّل الإنسانيّ المألوف، وإلى حدود اليقين بمعصوميّةِ المعارف المكتسبَة لدى هذه الذّات!
والغالب على مثل ذلك الادّعاء الاقتران باعتقادٍ رديفٍ بأنّ مُلكيّة الذّات الحصريّة لتلك الحقيقة تفرض النّظر إلى غيرها من الذّوات الأخرى (الأفراد، المجتمعات، الأمم، المعتقدات...) من حيث هي على ضلال: ناقصةً، زائغةً، رازحةً تحت وطأة الجهل، ذلك أنّ حصريّة حيازتها لها كحقيقة تُخْرج من الحسبان أيَّ إمكانٍ لمزاحمتها عليها من قِبَل أيّ جهةٍ أخرى قد تدّعيها.
وإذا كان مثل هذا الاعتقاد جارياً في علاقات الثّقافات بعضِها ببعض، كما في العلاقات بين علوم الثّقافة الواحدة وميادينها (بين علوم الطّبيعة وعلوم الاجتماع والإنسان مثلاً)، فقد عُويِنَتْ في تاريخ الفكر حالاتٌ من إصابة الفكر الدّينيّ نفسِه بها، فكان علماءُ كلُّ دينٍ يزعُمون لأنفسهم التّفرّدَ عن أتباع الأديان الأخرى بمُلكيّة العلمِ الحقّ حصريّاً فلا يمنعون أنفسَهم من الإنحاء على معارف أولئك الأتباع بالقدح أو بالنّقض والإدحاض والإبطال، والقطْعِ بذهولها عن محجّة الحقّ. هكذا نُلفي النّزعةَ هذه شاملةً ميادينَ الفكر جميعها، ما تعلّق منها بالعِلْم أو بالإيديولوجيا أو بالدّين.
إذا كانتِ المعرفةُ الإنسانيّة قد بلغت من الفضيلة مبلغاً مّا، ففي أنّها قرّرت، بالقطع العلميّ، أنّه ما من معرفةٍ مطلقة ونهائيّة في تاريخ الإدراك الإنسانيّ، وإنّما المعرفةُ فعْلٌ إنساني استكشافي مفتوحٌ على آفاق رحبة من الإدراك لا نهاية لها. إنّها، بالأحرى، عمليّة تراكميّة وتصحيحيّة، تتدرّج في اكتساب الدّقّة والاقتراب من مطابَقَة الأشياء المُدْرَكة، في الوقت عينِه الذي تُراجِع فيه نفسَها ويقينيّاتها وتصحِّح مسلّماتها وتقوِّمُ عثْراتها. تولدُ المعرفةُ من أخطائها لأنّها تتعلّم من أخطائها على ما يقول غاستون باشلار بحقّ. أخطاء المعرفة، بهذا المعنى، ليست كوابحَ عائقة في حساب تاريخ كلِّ معرفة بمقدار ما هي ديناميّةٌ داخليّة دافعة إلى التّصحيح وتصويب المسار، أي إلى إعادة النّظر في كلّ الأسس التي قادتْها إلى إِخطاء الإدراك.
المعرفة ليست، في المطاف الأخير، أكثر من إقامة الدّليل القطعيّ (التّجريبيّ أو العقليّ) على مقدّمات تؤسِّسها هي وتتأسّس عليها، فكلّما استقامت مقدّماتُها استقامت نتائجُها بالتَّبِعَة. هذا ليس مسْلكاً منهجيّاً خاصّاً بالمنطق والرّياضيّات فحسب، بل يطال علوم الطّبيعة أيضاً، فهي تقوم على فرضيّات تختبرها، والفرضيّات هذه ليست ملاحظات بل أبنيةٌ عقليّة، وهي تُناظِر المقدّمات في المنطق والأكسيومات في الرّياضيّات. هكذا يكفي أن تفحص المعرفةُ خطواتها والموادَّ التي ابتُنِيَت بها لكي يُعْثِرَها ذلك على مَواطن الزّلل فيها.
ليس من معنًى للقول إنّ المعرفة تتقدّم بأخطائها - حين تتعلّم منها - سوى أنّ على الذّات (العارفة) أن تتواضع في اعتقادها المتضخّم بمعصوميّتها، بل أن تَبْرَح مثل هذا الاعتقاد السّاذج والسّخيف وتحاصرَ آثارهُ فيها. عليها - في سبيلها إلى ذلك - أن تسلّم بأنّ الخطأ آليةٌ معرفيّة قد تكون دافعاً إيجابيّاً وحافزاً على تداركِ المنقوص، وعلى تعزيز الموارد التي بها تتحسّن شروطُ المعرفة، وأن تتخلّى عن النّظر إلى الأخطاء وكأنّها عورة تُزْرَى بها الذّات.
هذا شرطٌ تحتيّ: معرفيّ ونفسيّ، لكي تنتقل الذّات إلى طورٍ ثانٍ من التّصحيح والمراجعة المعرفيّين تضع فيه نفسَها موضعَ فحصٍ نقديّ لِمَا تَحَصَّل لديها من معارفَ ومن يقين بها ووُثوق، ثمّ لِمَا درجَتْ عليه من أساليبَ وطرائقَ في تكوين المعرفة عن الأشياء. نسمّي هذا الطّور من المعرفة بطوْر نقد الذّات، وهو (طوْرٌ) معرفيّ لأنّها تتوسّل فيه واحدةً من أفعلِ أدوات المعرفة وأسلحتِها هي النّقد، ولأنّها بالنّقد تَهْدِم يقينيّات جامدةً صارت في حكم الأوثان وباتت تنتصب، في الوقتِ عينه، كوابحَ أمام المعرفة أو تتحوّل إلى ما سمّاه غاستون باشلار بعوائق إيپيستيمولوجيّة، من أجل ينفسح أمامها المجال أمام تشييد معارفَ جديدة أرصن من سابقاتها.
يعني النّقد الذّاتيّ، ابتداءً، تحرير الذّات من قيود أوهام العِصمة وحيازة الحقيقة المطلقة التي هي في المطاف الأخير، مانعةٌ للمعرفة بل قاتلة لها آخذةٌ الوعيَ الإنسانيَّ نحو الجمود والتّحجّر. لكنّه يَعني، ثانياً، أنّ المعارف مؤقّتة، بالضّرورة، وانتقاليّة وأنّ لها زمناً تتطوّر فيه هو زمن التّراكم والسّيرورة والانقطاع... إلخ. هي مؤقّتة، في العلوم التّجريبيّة، لأنّ فرضيات العلم تتطوّر وتتغيّر بالإضافة والتّعزيز والتّبديل، ولأنّ وسائل الاختبار نفسَها تتطوّر وتتغيّر معها، بالتّالي، أدوات البرهنة المختبريّة.
وهي في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، مؤقّتة لأنّها معارف نسبيّة (شأنها شأن المعارف العلميّة التّجريبيّة) مرتبطة بالشّروط التّاريخيّة والمعرفيّة التي نشأت فيها وتكوّنت، وهي شروطٌ تتطوّر وتتغيّر باستمرار، فتتغيّر معها، بالتّالي، المعارف الجديدة المتولّدة من ذلك التّغيير. هذا ما يفرض القول إنّ النّقد الذّاتيّ ليس أكثر من التّسلّح بالوعي التّاريخيّ النّسبيّ، أي الوعي الذي يَخْلَع على المعارف نسبيّتها التي تأتيها من قانون التّطوّر التّاريخيّ.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"