نحنُ لا نختار أقدارنا، لا ندرك مستقبلنا، ولا أين في هذا العالم ستكون رحلاتنا، نحن عينةٌ من عالم كبير خلق بموازين محكمة، تبكينا حياة مؤلمة، لا نعيشها لكننا نرحلُ لها لنرحم أنفسنا، لندرك كيف أن البهرجة المثقلة هي أكبرُ أعبائنا، وأن المبالغة في تفسير الحياة أكبر قيودنا، والانغلاق في عالم صغير فينا أكبر أخطائنا، والخوف من التجربة جهل وتردد!
في مكان ما، حيث الحياة كانت معدمة، في «مدجين- كولومبيا»، تلك المدينة التي قبل بضعة عقود كانت خائفة، لا تعيش ولا تدرك لوناً للحياة، وفي عيون الناس أخطر مكان على هذا الكوكب كانت. فيها مشيت، في صخب المكان ورقص البشر، تجلت أجمل صور الرضا، وأن التأقلم في بيوت خاوية مما نعرف من مظاهر كثيرة معقدة هي استسلام للحب، للقناعة الكبرى وأن الوقت في يدنا وأن قرار العيش ليس صعباً، في دروب ضيقة ملأى بالتعب والاحتمال؛ صارت الأغنية نغماً صاخباً يملأ قلوباً أسكنت الإحساس في صدرها واحتضنته، مغلقة صدى التعب والتهاون!
نحنُ يا رفيقي نحلق في الأعلى، ننظر لبيوت امتدّت على مد أبصارنا، فيها الكثير من المعاني والقصص؛ وحكايات تكبر مع كل عائلة صامدة في كل ظروفها؛ وتبهرك باعتلاء منصة الحياة بأهازيج صاخبة تجبرك على أن تضحك وترقص فرحاً..! في الصعود والنزول، في الوجوه المحدقة في تفاصيلنا، نواجه الحقيقة الأولى، وهي أننا مختلفون في المكان، متعاقدون مع قلوبنا بأن نعشق قيمة الاستمرار في كل ظرف وحالة، في المشي والاندماج في حسن وجمال الجدران أخبرك: لسنا بخير ولسنا في عزلة؛ فالكون يأتي بك مزلزلاً ما تعرفه، محركاً سكوناً لطالما أغرقك في بحور من العزلة البعيدة، منغلقاً على كونك، محدوداً في قناعاتك، وما تعرف؛ تفتخر فيه!
في لحظة يا رفيقي: أنت وأنا، ونحنُ نبكي بصمت ونغمض أعيننا، نعيد فتحها بابتسامة وضحكة متجلية، في تغيير مفاجئ، في إدراك جلي، ووقار النفس الهادئة التي ستحتضنها وتطبطبُ على حزننا وقلة حيلتنا، وتهمس فينا، لا بأس: كل ظروف الحياة متغيرة، وكلنا في رحلته الخاصة، لا تتقاطعُ ظروفنا بل نصبحُ نحنُ في شخصياتنا التي ولدت في لحظة البكاء الكبرى.
نحنُ يا رفيقي، مغامرون، مدركون ومحبون، وفي حزننا يولد الفرح الأكبر والحب الأعمق للعالم دون تمييز أو تعصب، نحنُ في لحظة الضياع نولد بشراً، في قلوبنا يعيش كون واحد، ننتمي له وتذوب فيه حياتنا، تتحرر فيه صفاتنا، وترتوي في نعيم قلوبنا، نسرد للغيم أحلامنا، ونبتاع من البشر سرداً مختلفاً لصوت الحياة، تكبر الأشياء المهمة وتصغر الصغائر، تتغير تعرفاتنا ويولد وطن من أرواحنا، ليصبح الوطن الأكبر في زمننا المتسامح اسمه الإنسان!