عبدالإله بلقزيز
لمّا كانتِ الحربُ فعلاً من أفعال السّياسة وأداةً من أدواتها، ولمّا كانتِ السّياسةُ فعاليّةً اجتماعيّة تدور على المصلحة وتقترن بها، كان لا بدّ من أن يكون شأنُ الحرب وطيد الصّلة بالمصالح، ثمّ كان لا بدّ من أن يكون لنشوب الحروب علاقة ما بمصالحَ تدعو إلى ذلك وتَحْمل عليه. هذه حقيقة سياسيّة بيّنة بما لا تحتاج معه أمرها إلى مزيدِ بيان. ما من حربٍ تندلع لمجرّد الرّغبة في الحرب، بل لهدفٍ سياسيّ يبرّرها ويشرعنها، أي لمصلحةٍ فيها لدى مَن شنَّها بعد أن خطَّط لها وأَعدَّ العُدّة واستوفى الجِهاز. حتّى الذي تُشَنّ عليه الحرب، من غير أن يختار ذلك أو يرغب فيه، يجد نفسه، وهو يخوض فيها، مشدوداً إلى هدفٍ يسعى إلى تحقيقه منها: الدّفاع عن النّفس وإفشال أهداف العدوان. لذلك كانتِ الحروب، وستظلّ، صراعاً عنيفاً بين مصالحَ متضاربة تعبّر عن إرادات متناقضة.
إذا كانت السّياسةُ، في تعريفها الدّقيق، إدارةً سلميّة للمصالح تُسخَّر فيها الأدواتُ والموارد المناسبة، فالحربُ لا تعدو أن تكون، هي الأخرى، إدارةً للمصالح، ولكنّها إدارةٌ عنيفة تُسَخَّر فيها أدواتُ القوّة الغاشمة لا النّاعمة كما في السّياسة. ولا يعني انتقالُ المصالح، والدّفاع عنها والسّعي إلى تعظيمها، إلى عُهدة رجال الحرب أنّها خرجت من بين أيدي رجال السّياسة جملةً، بل لا يعدو الأمرُ أن يكون تفويضاً من الأخيرين (السّياسيّين) للأوّلين بالقيام على أمرِ تحقيق تلك المصالح بوسائل القوّة التي تملكها الدّولة وتوضَع تحت تصرّفهم، وهو التّفويض الذي قد تدعو إليه الضّرورات والذي لا يلغي، بحالٍ، سيطرةَ السّياسة ورجالِ الدّولة على أمور الحرب: قراراً وأهدافاً ومراحلَ تنفيذ. للقيادات العسكريّة وحدها أن تضع الخطط الحربيّة، وأن تشرِف على تنفيذها وتطويرها وعلى إعادة ترتيب الأولويّات الحربيّة فيها، لأنّها الأَعلم بشؤون الحرب وما تقتضيه من إجراءات استراتيجيّة وتكتيكيّة، ولكنّها تخطِّط وتدير التّنفيذ في ضوء ما يفرضه القرارُ السّياسيّ الرّسميّ من أهداف لها من غير أن تملك (تلك القيادات العسكريّة) حقّاً في تقرير أهدافٍ أخرى غير تلك التي حدّدتها مؤسّسات القرار السّياسيّ. وفي هذا ما يدلُّنا على تبعيّة الحرب للسّياسة وتحرُّكِها تحت سقف قرارها الأعلى.
لا تقع حربٌ في أيّ مكانٍ من العالم إلا متى شاءتِ السّياسةُ أن تقع، لأنّها، بكلّ بساطة، واحدٌ من تجلّيات السّياسة ومن عُدّةِ اشتغالها. إنّها خيارٌ من خياراتها، لكنّها الخيارُ الذي هو أشبهُ ما يكون بالاضطرار، لأنّ السّياسة تلجأ إليه بعد أن يستعصيَ عليها تحصيل أهدافها المرتجاة (المصالح) من طرُقٍ أخرى غيرِ عنيفة أو أقلّ عنفاً. ما من شكٍّ في أنّ خيار الحرب من الخيارات النّادرة في مجرى السّياسة، إذْ هي لا تندلع في كلّ وقتٍ وحين، ولا عند نشوء أيّ أزمة بين دولتين أو أكثر، بما في ذلك بين القوى التي لا تعترف بشرعيّة وجود بعضها، بل أَوْجَدَتِ السّياسةُ، دائماً، خياراتٍ أخرى أَجْزل فائدةً وأقلَّ تكلفةً من خيار الحرب لفضّ المنازعات، أو تبديد الأزمات والتّوتّرات أو تنفيسِ احتقانها في الحدّ الأدنى. ولقد يكون التّفاوُض، وما يُولِّده من تسويات، أحدَ تلك الخيارات المتاحة بديلاً من الحرب وتفادياً لها، وقد لا يتسنّى إمكانُ التّفاوُض فيُكْتَفَى بالوساطات أو بالتّفاهم الضّمنيّ بين أطراف النّزاع على النّحو الذي يسمح بإقدام هذه الأخيرة على ما يُسمَّى، في ميدان السّياسات والعلاقات الدّوليّة، بإدارة الأزمة: الإدارة التي تتغيّا تحقيقَ تدبيرٍ ناجح لِخفض التّوتّر وعدمِ استفحال الأزمة إلى حدود فقدان القدرة على السّيطرة عليها. وبالجملة، ثمّة كثيرٌ من الخيارات والبدائل التي يمكن أن تتوسّلها السّياسة لئلّا تُحْمَل حمْلاً على الإتيان الاضطراريّ لسبيلِ الحرب خياراً رئيسياً.
لا يقع اللّجوء إلى خيار الحرب، إذن، منذ اللّحظة الأولى لأزمةٍ تتهدَّد مصالح الدّول بالنّيْل منها أو الإضرار، بل يقع ذلك عند استنفاد السّياسة ممكناتٍ أخرى سلميّةً تُجرِّبُها لتحصيل الأهداف عوضاً عن النّزاع المسلّح فتفشل فيها أو لا يأتيها من طريقها إلا القليل. في مثل هذه الحال من الامتناع، أعني حين تعجز السّياسة عن بلوغها مطلوبَها (الدّفاع عن مصالحَ قائمة أو السّعي إلى طلب أخرى) من باب استخدام أدواتها السّلميّة النّاعمة (الإقناع، التّفاوُض، التّفاهم، اللّجوء إلى التّحكيم الدّوليّ أو الإقليميّ، إدارة الأزمة)، تصطدم - حكْماً - بالحاجة إلى تجريب وسائلَ أخرى أنجعَ وأَفْعل مثل الوسائل العسكريّة، وهي كذلك (وسائل أَنجع وأَفعل) لأنّها، من دون سواها، تقوم على القوّة الماديّة العارية وذاتِ التّأثير العالي فيمَن تَقَع عليه، أي أيضاً لأنّها شديدة الإيذاء وقد تؤدّي مَن لجأ إليها إلى تحقيق هدفِه وهدفِ كلّ حرب: الإخضاع. وعليه، لا يكون اللّجوء إلى خيار الحرب تنازُلاً عن السّياسة أو خروجاً من دائرتها، كما قد يُظنّ، وإنّما يكون، بالأحرى، انتقالاً من لغةٍ للسّياسة تشتغل بمفردات السّلام والحوار والتّفاهم والتّسوية...، دفاعاً عن المصالح، إلى لغةٍ أخرى لها مبْناها على القوّة الماديّة: التي ليست برّانيّةً عن السّياسة وعن تقاليدها. هكذا تكون الحرب إدارةً عنيفةً للمصالح تضطرّ السّياسةُ لانتحالها عند درجةٍ مّا من عجزها عن إدارتها من دون عنف.