في دعوى الأصالة

00:18 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبد الإله بلقزيز

في الثّقافة والفكر، كما في المجتمع والسّياسة والحياة الدّينيّة، تيّار كبير يسمّي نفسَه - ويسمّيه غيره - تيّارَ الأصالة، ويزعُم لنفسه التّمسُّكَ بها وتمثيلَها والدّفاع عن مبادئها في وجْه من يناصبونها الاعتراض أو يطعنون عليها باسم التّجديد والحداثة.
لا يكلّف المنتمون إلى هذا التّيّار (من الأصاليّين) أنفسَهم عناء التّنظير للأصالة وبيانِ أسس مفهومها، أو حتّى عناء تبريرها فكريّاً، فهيَ عندهم أَجَلُّ من أن تُبَرَّر أو أن يُسَوَّغ لها التّسويغ النّظريّ المناسب، بل هي من البداهة بحيث لا يجوز في حقّها تَسْآل. هذا ما يفسّر لماذا يكتفون من ذلك الدّفاع عنها بإعادة إنتاجها على منوالٍ متكرِّر، أي بالاستمرار في إعمال رؤى الأقدمين وأفكارهم ومناهجهم وطرائقهم في البناء والاستنباط والتّعليل والشّرح على النّحو الذي يتحقّق به الإيحاء بأنّها وحدها السُّنَّة التي يُهْتَدَى بها، ووحدها التي تتنزّل منزلةَ المرجعيّة التي إليها يُرجَع وعليها يُبْنَى... ووحدها التي يُكْتَفى بها فلا يُزَادَ عليها زيادةً تخرُج بها عن طبيعتها وحدِّها...
ولأنّ الهجوم يكون في جملة وسائل الدّفاع وعُدَّته التي بها يفعل، كان لا بدّ للأصاليّين من الدّفاع عن مقالتهم من طريق الهجوم على نقيضها وتسفيهه. هكذا صار مألوفاً، في كتابات دعاة الأصالة، كيْلُ الكثير من القدْح في الحداثة وأهلِها والتّشنيع عليها وعليهم، وبيانِ عمقها وبرّانيّتها عن نسيج التّاريخ الثّقافيّ والفكريّ العربيّ والإسلاميّ. ولقد كان قسمٌ كبير من دعاة الحداثة قد أغْلظ، هو نفسُه، القولَ في الأصالة وأتى على أركان القول بها بالهدم فما قَصَّر في ذلك، كما لم يُقصّر أهلُ الأصالة، إلا أنّ جزءاً كبيراً من الذي كتبه الحداثيّون في الأصالة قام على قدر مّا من العِلم بها في المظانّ وما أتى منهم جهلاً بتاريخها وتاريخ مدارسها وأئمتها ورموزها، وليس هذا ما طَبَعَ قولَ أهل الأصالة في الحداثة وأصولها ومصادرها، حيث الجهْل التّام بها سيّدُ الموقف، وحيث الرّغبة في تصفيّتها والهدْم حالت دون معرفةٍ بها: هي شرط لازب لكلّ نقد. إلى ذلك ميّز دعاةُ الحداثة بين أصالةٍ سابقة عبّرت عن زمنها والْتُمِست لها منهمُ الأعذار، بالنّظر إلى محدوديّة ما كان لأصحابها من مُتاحات معرفيّة في وقتها، وأصالةٍ حالية تتقمّص دوراً يستحيل على زمنها المعاصر، أن يحمله فكان نقدُهم لدعوى الأصالة، بهذا المعنى، نقداً لدعوى معاصرة لا لدعوى تردّدت في الماضي. أمّا الأصاليّون فما أقاموا تمييزاً نظيراً ولا شيئاً من ذلك، فطفِقوا يرجمون الحداثة وأهلها في كلِّ عصْرٍ ومِصْر...
لا حاجة بنا إلى التّنفيل في الإبانة عن ضَعف حجّة الأصاليّين، فهو بيّنٌ بما يكفي وخاصّةً لجهة ما يكتنفها من بُعدٍ لا تاريخيّ ويؤسّسها عليه. نحن هنا لا ننفي، طبعاً، أن ينسُج فكرٌ اليومَ على فكْرٍ قام بالأمس، وأن يتقفّاه في المفردات والأدوات والطّرائق، ويدّعي استئنافَه وتمثيلَه، فذلك ممّا يطبع أيّ فكرٍ، أو أيَّ خطاب، يبحث له عن بدايةٍ أولى سابقة في الزّمن، وعن جذورٍ تسوِّغ له وتُشرعِنه، لكنّنا ننفي أن يقع تَماثُلٌ بينهما على نحوٍ يستنسخ فيه الثّانيُّ الأوّلَ ويُطابق صورتَه. مبرِّر النّفي أنّ التّاريخ، بما فيه تاريخُ الفكر، متغيّرٌ وإن بدا خلافَ ذلك ولا يمكن لظواهره، بالتّالي، أن تتماثل وتتكرّر حتّى وإنْ هي تشابهت في بعض السّمات. على ذلك، تُناقِض دعوى الأصالة مبدأَ تاريخيّة الظّواهر وتنتحل لنفسها «إمكاناً»، ليس في حساب الإمكان، في محاولةٍ منها لافتراضِ خَطّيّةٍ تاريخيّة لا وجود لها إلا في أذهان مَن يعتقدون بجواز وجودها.
هذا يعني، في مقامٍ ثانٍ، أنّ فرضيّة الأصالة فرضيّة مستحيلة التّحقُّق بمعنى الإمكان التّاريخيّ. ولكنّ الأهمّ في استحالة إمكانها ليس امتناعُها عن أن تُعاد أو أن تتكرّر ثانيّةً، بل الامتناعُ عن الوجود أساساً. بيان ذلك أنّ فرضيّة الأصالة إذْ تزعُم أنّ الأَثرَ الأصيل ذاتي مستقل الكينونة عن كلّ مؤثّرٍ خارجيّ، تنسى أنّ الظّواهر الإنسانيّة، أفكاراً أو منتوجاتٍ مادّيّةً أو مؤسّسات، ليس يمكنها أن تبدأ بدايات صفريّةً (من العدم) ولا أن تنشأ من فراغ بِكْر أو من قريحة جرداء من الآثار الخارجيّة، مثلما لا يستقيم لها تطوُّر ونمو من غير أن تستفيد بعضَ مواردها من خارجها. مَن يفترض مثل ذلك العدم المطلق السّابق للتّكوين، الذي يوسَم بسمْت الأصالة، يجهل، على التّحقيق، كيف تتكوّن الظّواهر والأفكار في المجتمع والتّاريخ ويتمسّك، بدلاً من ذلك، بوهْمِ استواء الذّاتيِّ على نفسه، وانطوائه على خواص له وإمكان خلقِه أشياءَه بِموارد خاصّةٍ لديه. هكذا تستغني ثقافةٌ، أو يستغني مجتمعٌ، عن حاجةٍ إلى آخرين بدعوى الكفاية الذّاتيّة: الكفاية المزعومة التي بها وحدها تتبرّر، في هذا الوعي اللاتاريخيّ، فكرة الأصالة: التي ليست من التّاريخ ولا من الطّبائع الإنسانيّة!

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"