مقتضيات المراجعة والتّصحيح

00:06 صباحا
قراءة 4 دقائق

من مقتضيات النّقد الذّاتيّ ما يتجاوز مجرّد إدراك الحاجة الحيويّة إليه، بما هو فعاليّة معرفيّة تصحيحيّة يتوقّف على إحسان إعمالها كلُّ إرادةِ تَطوُّر، من مقتضياتها ما على الذّاتِ عينِها أن تبذله من جَهْدٍ، شاقٍّ وصادق، لكي تتهيّأ لوضْع نفسها - على النّحو المناسب - موْضعَ فحصٍ ومراجعةٍ يستوفي النّقدُ الذّاتيّ بإنجازهما معناهُ على الحقيقة. لا تكفي إرادةُ النّقد الذّاتيّ وحدها - على وجوب حصولها وعلى شرطيّتها الأولى - لكي تقود المرء نحو إجرائه، إذْ ما أكثر ما عِيقَ فعْلُ النّقد الذّاتيّ عن الإِنفاذِ النّاجز لنقصٍ في بعض تلك المقتضيات التي أومأنا إليها، ومنها إِعدادُ الذّات لفعلِ نقدٍ يدور عليها، وما أكثر ما وَقَر الاعتقادُ في نفسِ مَن أقْدَم على إتيان ذلك النّقد بحسن إنجازه فيما لم تُسْتَوْفَ شروطُه الذّاتيّة ولم تنْضَج.
آكَدُ تلك المقتضيات وأَوْلاها مَوْضَعةُ الذّات على منوال موضعةِ الفكرِ الأشياءَ التي يدرُس وحسبانِها ظواهرَ مستقلّةَ الوجود عن الذّات، فذلك شرطٌ تحتيّ لكلّ تناوُلٍ موضوعيّ ومحايد للذّات ومن دونها ليس من نقدٍ، على الحقيقة، حتّى وإِنِ اهتاجتْ في النّفس إرادتُه. أن يصيب الوعيُ حظّاً من النّجاح في حمْل الذّات على إقامة مسافةٍ لها مع نفسِها، فذلك سبيلُه اللّاحب إلى موضعة الذّات على النّحو الذي به يمتكن أمرُ النّقد الذّاتيّ، وهو هو سبيله إلى تحرّي الموضوعيّة والحياد في الأحكام على الظّواهر والأشياء (الذّات في هذه الحالة) و، بالتّالي، إلى أداء فعْل النّقد الذّاتيّ على أصوله المقرَّرة.
سيقول قائل إنّ مطلب الحياد، في مثل هذه الحال، شأنٌ محال أو - على الأقلّ - عزيزُ المنال، إذْ كيف يُنتظَر من الذّات أن تنظر إلى نفسها بتجرُّدٍ يتعطّل معه كلُّ اعتبارٍ ذاتيّ؟، كيف تكون محايدة إزاء نفسها كما يمكن أن تكون كذلك مع كلّ موضوع خارجيّ عنها؟ إنّها، هنا، الدّارس والموضوع المدروس في آن، الرّائيّ والمرئيّ في الوقت عينه وهو ما يتعسّر معه، بالتّالي، كلُّ مَيْلٍ إلى محاولة اصطناع مسافةٍ مّا بين الذّات ونفسِها وتهيئةِ الأسباب لنقدٍ ذاتيّ خليقٍ بهذه التّسميّة. الاستدراك هذا صحيح لا شكّ فيه، ليس فقط لأنّ الموضوعيّة في حكم ذاتٍ على نفسها أمرٌ مستصعَب، بل لأنّ الموضوعيّة تستحيل - في صورةٍ صافية لها - حتّى حينما يكون الموضوع مستقلاًّ عن الذّات تماماً: كما هي، مثلاً، حال موضوعات الطّبيعة.
مع ذلك، ما من بدٍّ من قدْرٍ مّا، ولو نسبيٍّ، من حياد الذّات تجاه نفسها بغية أداء هذا الطّقس التّصحيحيّ الذي يحمل اسم النّقد الذّاتي، وقد يكون ذلك القدر من الموضوعيّة والتّجرُّد عن الأهواء الذّاتيّة هو ما يوصَف بالشّجاعة الأدبيّة للذّات: الشّجاعة التي ترفع عن الذّات هالةً تخلعها على نفسها فتمنعها، لهذا السّبب، من أن تراجع نفسها وتمارس الاحتساب الذّاتيّ على أخطائها. حينما يتوفّر للذّات هذا المقتضى الرّئيس لنزاهة حكمها على نفسها، ينْوسع المجال أمام فعْل إرادة النّقد الذّاتي التي نوّهنا بها.
ليس النّقد الذّاتيّ سوى ذلك المنزع الجريء، لدى الأفراد والمؤسّسات، إلى تصحيح ما اعتور رؤاهُم من مَغالطَ أو أفعالَهم من أخطاء. هذا مقامُه من وجهة نظر المعرفة، وهو - بهذا المعيار- فضيلة فكريّة من شأن من يتحلّى بها أن يتحزّم للأوهام التي قد تعتريه أو لليقينيّات الجوفاء التي قد تستبدّ به فتأخذ عليه سبيلَ الرّشد، من أجل مراجعتها لتصويب النّظر وترشيد العمل.
وإذْ يُخطِّئ نقدُ الذّات، بهذا المعنى، ما كانت قد ذهبت إليه من اعتقادٍ في أمرٍ مّا في زمنٍ سابق، أو ما أَتَتْهُ من سلوكٍ بناءً على اعتقادٍ خاطئ، لا تنطوي تخطِئتُه إيّاها على أيّ قدْحٍ فيها يَشينُها، ذلك أنّ المعرفةَ نسبيّة تاريخيّة: تحصل في شروطٍ تتغاير من حينٍ لآخر تنحكم بها كلُّ ذاتٍ عارفة. لذلك كان غيرَ مستغرَبٍ أن يصير خاطئاً في زمنٍ مّا ما كان صحيحاً في آخَر قبله، وقد لا يَعْزُب عن الحسبان أن يُمْسيَ صحيحاً ما كان قبْلاً في حكم الخطأ. إنّ تاريخيّةَ معارفنا أمرٌ غيرُ قابلٍ لأيّ مشاحّةٍ فيه، لأنّه من دون استصحابها في التّفكير ما من سبيلٍ لدينا إلى معرفة سياقات الصّحّة والخطأ في أفكارنا، وما من سبيلٍ إلى تحرير مداركنا من وهم حيازة الحقيقة. النّقد الذّاتيّ وحدهُ يدُلّنا على تلك التّاريخيّة الحاكمة للوعي ولجدليّة الصّواب- الخطإ.
ولأنّ النّقد الذّاتيّ فضيلةٌ فكريّة أو عمليّة، تترشَّد بإِعماله عمليّةُ التّفكير والتّقدير، يصير - بالتّبعة - فضيلةً عمليّة، لأنّ ميزانَ فوائده هو ما يعود به على الأعمال والأفعال من جزيل العوائد، ثمّ لأنّ حَسَنَ الأعمال وسيّئَها إنّما هو مستحسَن أو مستقبَح لفكرةٍ أسَّستِ العملَ فكانت حسنةً أو قبيحة وأتتْ عليه نتيجتُها إيجاباً أو سِلباً.
هكذا يوفّر أداءُ فعل النّقد الذّاتيّ إمكاناً لا لمراجعة الأفكار واليقينيّات، فحسب، بل يوفّر الإمكانَ - أيضاً - لتصحيح خيارات وسياسات سِيرَ فيها، في ما مضى، وما نجمَ منها ما كان في حكم المطلوب، بل ربّما كان من ذيولها ما يُسيء أمرُه! ما أغنانا، هنا، عن القول إنّ على تينك المراجعة (الفكريّة) والتّصحيح (العمليّ) يتوقّف التّقدّم، إذْ هما شرطان لازِبان لترشيد عمليّة التّطوّر الفكريّ والاجتماعيّ.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"