الماضي والتّقليد

00:09 صباحا
قراءة 4 دقائق

إذا كان مفهوم التّقليد يشير إلى المعطى الماضي وهو في حالٍ من استدعائه في الحاضر، أي من حيث هو منظورٌ إليه بما هو ماضٍ مستمرُّ الصّلاحيّة في الزّمن ومطلوبٌ، بالتّالي، لأن يُتَوَسَّل ويُرْجَع إليه ويُسْتَنّ به، فهو مفهومٌ يسمح توسُّلُه بأن يميط اللّثام عن الفارق بين تأثيرات الماضي في الحاضر وتأثيرات التّقليد فيه. لن يتبيّن ذلك، على الوجْه الأَجْلى، إلا حين نأخذ في الحسبان ما يتلبّس النّظرَ إلى مفهوميْ الماضي والتّقليد ويَغشاه من غموضٍ واضطراب، إذْ من المُعتاد أن يقع الخلط، في الوعي والتّداوُل، بين مفهوم التّقليد ومفهوم الماضي فيُجْمَعان إلى معنى واحد ويَشيع استخدامُهما كمترادفين. ثمّ لا يلبث استنتاجٌ لاحقٌ أن يُبْنى على استنتاج سابق فيُصار إلى القول إنّ حالتيْ الماضي والتّقليد تنطويان على التّأثيرات عينِها - السّلبيّة غالباً - على الحاضر بحسبانهما حالتيْن من الرّكود والجمود المانع من الحركة أي، أيضاً، الحائلين دون أن يكون الحاضر بمنجاةٍ منهما.
والحقّ أنّه ليس من تأثيرات متشابهةٍ على الحاضر والمستقبل من جهة الماضي والتّقليد، لئلا نقول إنّها مختلفةٌ إلى حدّ التّبايُن، بل العلاقةُ بين كلٍّ منهما والحاضرِ محكومةٌ بمنطقٍ مستقلّ وتتولّد منه أوضاعٌ مختلفة، وليس المنطق هذا سوى ما هو عليه كلُّ مفهومٍ في ذاته، وما عليه «طبيعتُه» في مداره، بل لِنَقُل - من باب الدّقّة والتّخصيص- إنّ منطق كلٍّ منهما مردود إلى زمنيّةِ كلٍّ منهما ومشدودٌ إليها. وكم هو غنيّ عن البيان أن زمنيّةَ كلِّ عاملٍ أو عنصرٍ اجتماعيّ وتاريخيّ هي ما يقرِّر وجْهَ فاعليّته في غيره من العوامل الأخرى التي يقترن بها أو يصطدم، إذِ الزّمنيُّ في الظّواهر ليس سلبيّاً أو محايداً، وإنْ هو بَدَا كذلك في الكثير من الأحوال، بل هو ممّا يكون في عِداد موارد التّكوين فيها. سيكون الوقوف على الزّمنيِّ في كلٍّ منهما: على وضعه الاعتباريّ، وعلى وظيفته السّياقيّة مدخلاً لاحباً لإقامة التّفرقة بين أثر كلٍّ من الماضي والتّقليد في أوضاع الحاضر. ما الفارق، إذن، بين المفهومين من حيث وضعُهُما في علاقات الزّمن؟
زمن الماضي زمنٌ طبيعيّ لأنّ الماضيَ بُعْدٌ قبْليّ من أبعاد الزّمان. إنّه زمنٌ ماضٍ بالنّسبة إلينا نحن الذين ننتمي إلى زمن آخر هو الحاضر. إنّه منفصلٌ عنّا بمقدار ما نحن منفصلون عنه، أمّا علاقة اتّصالنا به الوحيدةُ فهي علاقةُ تمثُّلٍ ذهنيّ له من طريق اتّصالنا بالخبر عنه، وهو التّمثُّل الذّهنيّ الذي يقع لنا حتّى حينما نكون قد عشنا ذلك الماضي ثمّ تَصَرَّم عنّا. أمّا بالنّسبة إليه، هو نفسه، فليس زمناً ماضياً بل زمنٌ حاضر في لحظته الجارية الحيّة آنئذ. وليس هذا زمنَ التّقليد، إذِ التّقليدُ يشترك مع الماضي في أنّه كان منه أو، قُل، استُمِدّ منه لكنّه - في الوقت عينِه - ينتمي إلى الزّمن الحاضر.
إنّ وصفَه بالتّقليد اعترافٌ بأنّه على منوال ما مضى ينسُج أو يعيد الإنتاج أو يقتافُ اقتداءً وائْتِساءً، ولكنّه تقليدٌ لماضٍ يقع فعلُه في الحاضر لا في ذلك الماضي. لذلك نَعُدُّ زمنَ التّقليد زمناً هجيناً لا طبيعيّاً، ففيه من الماضي المثالُ والممتَحُ الذي ينهل منه والسُّنّة التي يَدْرُج على الاسْتِنان بها، في الوقت عينه الذي هو فيه فعْلٌ يجري في الحاضر، بل يسعى في تطويع ذلك الحاضر على نحوٍ يصير فيه قائماً على منوالٍ ومثالٍ مرجعيّ سبق! هكذا نَلْحظ أنّه على الرّغم من التّشابه بين الماضي والتّقليد والاشتراك في مساحة الانتماء إلى مرجعٍ مضى وتَصَرّم، تختلف الحالتان من حيث هويّة الزّمن في كلٍّ منهما.
على هذا الاختلاف بينهما على صعيد وضعهما الاعتباريّ في الزّمن ينبغي أن يُبْنى التّمييزُ بين آثار كلٍّ منهما في الحاضر. قلنا إنّ الماضي كنايةٌ عن لحظةٍ من الزّمن طبيعيّة متحقّقة في طَوْرٍ من سيرورة الزّمان سابقٍ، أي أنّه حَصَل في شرطٍ بعينه هو شرطُه الموضوعيّ الخاصّ الذي لا يستقيم في العقل، كما في التّجربة الحياتيّة، أن يظلّ ممتدّاً خارج نطاقه، فائضاً عنه إلى أزمنةٍ لاحقة. نعم، صحيحٌ أنّه زمنٌ غيرُ منفصلٍ بإطلاقٍ عن الحاضر، وأنّ فيه ما ينتقل منه إلى الأخير انتقال المواريث، ولكنّه يظلّ - في الأخير - زمناً مستقلاًّ عن زمننا الحاضر حتّى وإنْ كان لبعض مواريثه أثرٌ في أوضاع الحاضر: إنْ كان ذلك سلْباً أو إيجاباً. لذلك، فالغالب عليه أن يكون حياديَّ التّأثير في الحاضر.
يختلف الأمرُ في حالة التّقليد وما يتركه من آثارٍ في الحاضر. بيان ذلك أنّ التّقليد، مثلما نوّهنا قبْلاً، فعلٌ يجري في الحاضر على الرّغم من أنّ منصرَفَهُ الرّئيسي يكون إلى محاولةِ مُمَاثَلةِ هذا الحاضر بالماضي، لذلك فهو في عداد موارد بناء الحاضر التي تفعل في نسيجه. ولمّا كان التّقليد، في مضمون رسالته، نزّاعاً إلى محاولة هندسة ما هو قائم على مثال ما هو منصرم، أي لما كان معاكساً لمنطق التّطوُّر والتّجديد والتّقدُّم، ومنتهِكاً استقلاليّة الحاضر وكيانيّته الخاصّة، كان لا شكّ ذا أثرٍ سلبيّ كبير في مجرى سيرورة الحاضر وما إليه صيرورتُه في القادم.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"