عادي

الأوكرانية تاتيانا تفضح أهوال الموت والدمار في غزة

20:05 مساء
قراءة 4 دقائق

من زاوية أخرى للحرب في قطاع غزة، تظهر سيدات أوكرانيات ضمن أجنبيات أخريات، كنّ يعشن في القطاع مستقراتٍ مع أزواجهن الفلسطينيين، حتى طال الموت والدمار أسرهن وبيوتهن، ليكشفن أخيراً عن حجم المعاناة التي عشنها على مدار عامين لم ينقطع خلالها دوي الغارات والقصف، ورغم ذلك يتمسكن بالبقاء رفقة أهلهن، بينما ينظرن أيضاً بعين الأسى إلى وطنهن الأصلي أوكرانيا الذي مزقته الحرب هو الآخر.

الأوكرانية تاتيانا البالغة من العمر 54 عاماً، والتي تعيش في غزة مع زوجها الفلسطيني وأبنائها، كشفت الكثير من الأهوال التي عاشتها خلال شهور الحرب الطويلة، ومن بين المواقف التي لا تفارق مخيلتها، أنه في ديسمبر/كانون الأول عام 2023، بعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة، كانت في المأوى الذي نزحت إليه وعائلتها للتو في مخيم جباليا للاجئين، حيث كانت تستعد لوضع حفيدها محمود، البالغ من العمر عاماً واحداً، في فراشه عندما سمعت صوتاً غريباً.

وتقول تاتيانا: «كان الصوت أشبه بمكنسة كهربائية. لم أفهم ما كان يحدث. نظرتُ إلى أسفل فرأيتُ ساقي اليسرى مغروسة في الأرض، بينما الأخرى فوقها، بينما رأيتُ زوجي في الهواء حتى اصطدم بالسقف، ثم سقط، وحينما نظرت حولي لم أجد أرضية المنزل ولا فراشاً، ولا بطانيات، فكل شيء اختفى».

وتضيف تاتيانا: «نظرت حولي بحثاً عن الطفل، لكن لم أتمكن من العثور عليه. التفتُّ إلى أخت زوجي التي كانت تصرخ.. صاروخ! صاروخ! لقد قُصفنا!. نظرتُ إلى يساري - حيث كانت غرفة، لم يبقَ منها سوى الأنقاض. حينها فقط سمعتُ دوي الانفجار».

وأضافت: «كان الصاروخ قد دمر نصف المنزل قبل أن ينفجر. صحيح ما يقولون إنه عندما يصيب صاروخ منزلاً، لا يُسمع الانفجار فوراً. الصوت يأتي من بعيد، كصوت نفخة خفيفة. ثم انطفأت الأنوار، وبدأت الحجارة وقذائف الهاون تتساقط عليّ. حينها فهمتُ أخيراً - لقد قُصفنا».

وعن الطريقة التي نجت بها، تقول تاتيانا: إن ابنها محمد وابن زوجها، شادي، نجحا في انتشالها هي وطفلها محمود من تحت الأنقاض، حيث نجا الاثنان، لكن تسعة من أفراد العائلة لم ينجوا، بمن فيهم أحلام الزوجة الأولى لزوجها.

مقتل الحفيد الأول

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تضيف السيدة الأوكرانية لهآرتس، أن الأكثر رعباً جاء بعد ذلك، ففي ليلة 26-27 أكتوبر/تشرين الأول، أودى صاروخ آخر بحياة اثنين آخرين من العائلة، وهي سجود الابنة وزوجها وأطفالهما الثلاثة، وأكثر من 30 شخصاً من عائلته. وكان من بين القتلى الحفيد معتز البالغ من العمر سبع سنوات، وهو الحفيد الأول في العائلة والمفضل لديها. وتقول عن حفيدها: «كان قرة عيني.. لقد ربيته. كان دائماً معي».

إصرار على البقاء

رغم هذه الخسائر الفادحة، لا تتخيل تاتيانا مغادرة غزة إن كان ذلك يعني ترك عائلتها، وتقول عن المكان الذي اعتبرته موطنها منذ عام 1998: «في أوكرانيا، يقولون: لا نترك أهلنا خلفنا. وأنا أيضاً لن أفعل». وتتذكر أنها في ذلك العام لحقت بزوجها محمود إلى غزة، بعد أن التقيا في مسقط رأسها خاركيف، حيث كان يدرس.

وتضيف أنه بمجرد وصولهما إلى غزة، افتتح زوجها محمود صيدليةً دعمت عائلته لسنوات. ولكن الآن، لقي العديد من أقاربهم حتفهم، ودُمرت الصيدلية في غارة صاروخية.

وبينما يحشد الجيش الإسرائيلي آلاف الجنود والعتاد لاحتلال مدينة غزة، تقول تاتيانا إنها في هذه الأيام تستيقظ كل صباح لهدف واحد: إنقاذ من بقي من عائلتها على قيد الحياة.

وتعكس قصة تاتيانا حجم الأهوال التي شهدتها غزة منذ بدء الحرب، حيث تقول إنه في شتاء العام الماضي، عندما جاع أفراد العائلة أعدوا الخبز من علف الحيوانات. كما تتحدث عن حياتها تحت سقف الأسبستوس المتداعي؛ وعن نزوحها مراراً وتكراراً، حيث تقول إنهم نزحوا أولاً داخل مدينة غزة، ثم إلى الجنوب، ثم العودة؛ وهو ما صاحبه تفاقم الزهايمر لدى زوجها؛ ومقتل عدد لا يحصى من الأقارب.

هل قصة تاتيانا استثنائية؟

ورغم أن هذه القصة قد تبدو استثنائية، فإنها ليست فريدة من نوعها حيث تشكلت عشرات العائلات في غزة خلال التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، بين نساء من فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي ورجال فلسطينيين. وقد أعلنت روسيا مؤخراً أن 67 روسية وعائلاتهن ما زالوا في غزة، كما تقول إنها أجلت بالفعل نحو 1200 شخص في بداية الحرب، بينهم مواطنون روس ومرافقوهم وأطفال قاصرون.

كما تقول أوكرانيا إنها أجلت أكثر من 500 شخص في أربع عمليات خلال المراحل الأولى من الحرب. وحتى الآن، لا يزال ما يقرب من 140 أوكرانياً وأكثر من 200 من أفراد عائلاتهم في غزة. كما أن هناك عائلة واحدة على الأقل، من مواليد كازاخستان، لا تزال تحاول إيجاد مخرج. لم يُسمح لبعضهم بالمغادرة في الأيام الأولى للحرب، بينما اختار كثيرون آخرون البقاء مع أحبائهم الذين لم يكونوا على قوائم الإجلاء.

ويرى مراقبون أن خطة النقل التي أيدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علناً، والتي تبناها نتنياهو، تضع المجتمع الدولي أمام معضلة أخلاقية وسياسية عميقة، فمن الواضح أن ما يُسمى «الرحيل الطوعي» من غزة المدمرة لا يمكن أن يكون اختيارياً حقاً. ففي ظل هذه الظروف، لا يمكن اتخاذ قرار المغادرة بحرية في ظل تضييق الخناق القاتل على السكان.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"