معتقَدُ القوّة ومصادره

01:10 صباحا
قراءة 4 دقائق

عبد الإله بلقزيز

يقود استبطانُ القوّة وتضخُّم فكرتها، في وعي مَن يحملونها، إلى انسكانٍ مَرَضيّ وهَوَسٍ بها سرعان ما يَشْرع في التّمظهُر في أفعالٍ مؤْذية تقع على آخرين، وسيّان أن يكون الهَوَس فرديّاً أو جماعيّاً فالنّتائج واحدةٌ وإن تفاوَت حجم ضحاياها. على أنّ الأمر لا يتعلّق في القوّة ببعدها الشّعوريّ والنّفسيّ، وما قد يعتريه من اضطرابٍ وتأزُّم، وإنّما في اكتسابها مشروعيّةً في الفكر تتجاوز محض الشّعورِ النّفسيّ والانجذابِ... والإيمان، ذلك أنّها إذْ تستوطنُ الوعيَ وتجد فيه قبولاً واستعداداً للتّبرير والتّسويغ، تخضع لعمليّةِ ابتناءٍ في التّفكير متدرّجةٍ وصاعدة إلى حيث تبلغُ درجةَ التّنظير لها، تنتهي بها إلى الانتقال من مجرّد فكرةٍ إلى حيث تصير معتَقداً أو عقيدة.

ولقد تكفي صيرورتُها إلى معتقدٍ لكي تدُلّنا على حجم العُسْر والاستعصاء الذي ستواجهُه كلّ محاولةٍ لتحرير النّفس من نوازع القوّة ونداءاتها المتردّدة فيها، إذْ غالباً ما تتساقط، مثل أوراق الخريف، كلّ المحاولات الخلاصيّة التي من هذا النّوع حين تجد نفسَها مصطدمةً بعقيدةٍ، لا بفكرةٍ أو واقعٍ ماثل، فالعقائد آخر الحصون التي تقاوِم فعْلَ الاختراق من الخارج، وتُبْلي أحسنَ البلاء في حماية نفسها من السّقوط، وهل يفعل معتَقَد القوّة، اليوم، شيئاً آخر غيرَ تنظيمِ صموده؟!

لهذه العقيدة مصادر مَتَحَت منها وجذورٌ تضرب عميقاً في تربة الماضي السّحيق ما برِحتْ تغتذي منها حتّى اليوم. يتعلّق الأمر فيها بمصادر لا يزال لها أثرٌ في الحاضر وفي الذّهنيّات العامّة على الرّغم من أنّ بعضها يعود إلى أزمنة بعيدة. أمّا آثارُها في تعزيز معتقد القوّة فمتفاوتة تبعاً لاختلاف البيئات الثّقافيّة وتفاعُلِ الواقعين تحت سطوة هذا المعتقد مع هذا المصدر أو ذاك. على أنّ المصادرَ هذه ليست من جنسٍ واحد، ولا هي من أصلٍ واحد ولا لها مضمونٌ واحد، بل الغالبُ عليها التّبايُنُ حتّى لا نقول التّناقض.

نشير، في ما يلي، إلى بعضٍ من أَظْهر تلك المصادر وأَفْعلِها أَثَراً: أوّل المصادر هذه الدّين، إذْ لمّا كانتِ الأديانُ - توحيديّةً أو وثنيّة، كِتابيّةً أو غيرَ كتابيّة - منظوماتٍ اعتقاديّةً وسلوكيّة تتوحّد بها جماعاتُها التي تعتنقها وتَدين بها وتلتحم فيتكوّن لديها من ذلك، بالتّبِعة، قدْرٌ كبير من التّضامنات الدّاخليّة ومعها شعورٌ بأناها الجمعيّة واعتزازٌ بذاتيّتها، ولمّا كانت كلُّ جماعةٍ ترى في دينها الدّينَ الأوحدَ الحقّ الذي لا تُخالِطُه شُبهة، وترى في نفسها الجماعةَ الإنسانيّةَ المصطفاةَ، من دون سواها، لتَلَقّي تعاليمَ متعاليةٍ تتأدّى بها إلى النّعيم في الدّنيا بالحقّ والفضيلة أو إلى الخلاص الأخرويّ أو إليهما معاً، كان من البديهيّ أن تتلقّى جرعاتٍ عاليةً من الشّعور بالتّفوُّق على غيرها من الجماعات الأخرى: اعتقاديةً كانت أو غيرَ اعتقاديّة. إنّ هذا الشّعور بالتّفوّق هو الذي يؤسِّس لفكرة القوّة في الواقع الفعلي ويرسّخها مع الزّمن. وقد تتقدّس القوّةُ بالدّين حين يأمُر بها ويحُضّ عليها: إمّا لنشره خارج الجماعة المؤمنة التي خاطبها بتعاليمه، أو للدّفاع عن نفسها ودينِها ممّا قد يتهدّدهما من أخطار المحو.

ثاني المصادر خبْراتُ التّاريخ وتجاربُه وما تَرَدَّدَ في الأذهان من أصداء فتوحاته، ومن ذلك خبْراتُ التّاريخ الخاصّ لكلّ مجتمعٍ أو شعبٍ أو أمّة وما تكتنزه من معطيات: واقعيّة أو متخيَّلَة، تُستعاد على سبيل الشّعور بالاستمراريّة والوجود الاجتماعيّ الحيّ. لا شكّ في أنّ للذّاكرة دوراً فعّالاً لجهة التّزوُّد بالوَقود الرّمزيّ الذي تحتاج إليه الذّاتُ الجماعيّة لتعظيم الثّقة بنفسها وبقدراتها على تحقيق مرتجاها. إنّ استعادةَ صورٍ من الماضي التّاريخيّ عن الرّموز والانتصارات والإنجازات الحضاريّة في مختلف الميادين...، لَهِيَ من الميكانيزمات الضّروريّة لتنمية الشّعور بالقوّة ولاستمداد المزيد منها. إنّ التّاريخ مصْنعٌ من مصانع ذلك الشّعور لا تنضُب موادُّهُ وذخائره.

أمّا ثالثُها فيتمثّل في العلم الحديث، وما أوحى به من ممكناتٍ لم تكن في الحسبان، وما أُحِيط به من هالةٍ سحريّة في الثّقافة المعاصرة. لقد بَدَا العلم، بفتوحاته المذهلة، فعلاً، وكأنّه سِحْرُ العصر الحديث الذي لا يتعسَّر عليه شيءٌ يقع في حكم الغامض أو الممتنِع أو حتّى في حكم المستحيل. لقد اختُبِر في كلّ شيءٍ فكشَف عن قدرته الخارقة في حلِّ كلّ الأقفال: في السّيطرة على الطّبيعة وإخضاعِها وتسخيرها، في تذليل أحكام الجغرافيا والجيولوجيا والزّمن، بركوب البرّ والبحر والجوّ وتقصير المسافات وتقليل المشاقّ، في التّغلّب على عويص الأمراض والأوبئة ومداواتها، في مواجهة الفقر والخَصَاص والنَّدْرة بتطوير الزّراعة والصّناعة وتوفير الغِذاء، في تحسين شروط الحياة وتأمين مستلزماتها وتيسير وسائلها، في قهْرِ الخوف المزمن الذي كان يُلْجِئ الإنسان في الماضي إلى الغرق في الخرافات والجهالات والتّنكُّب عن السّير في سبيل العقل...إلخ.

ولقد يطول بنا الحديثُ في باب بيان ما عناهُ العلمُ بالنّسبة إلى البشريّة المعاصرة إلى الحدّ الذي معه ينذهل الوعيُ الإنسانيّ بفتوحاته فيحمل عنه قدْراً من الاعتقاد السّحريّ. ولعلّنا لا نضيف جديداً حين نذهب إلى القول إنّ تعاظم النّزعة الإيمانيّة بالعلم، وبقدراته الخارقة على اجتراح المستحيل، يقود إلى تعزيز فكرة القوّة ومنزعها في الثّقافة المعاصرة، وإلى توطيد الاعتقاد بقدرتها على تحقيق السّيطرة على العالم، خاصّةً حين يتّخذ العلم شكلاً تطبيقيّاً له يتجسّد فيه: نعني التّقنيّة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"