تُفصح عنصريّة العِرق أو الجنس أو القوم عن حالةٍ من أشدّ حالات العنصريّة تَوَحُّشاً وعنفاً: سواء تَجلّى العنف في صورة عنفٍ مادّيّ واقعٍ على مَن سُلِّطتْ عليه (تلك العنصريّة)، أو تجلّى في صورة عنفٍ رمزيّ من قبيل العنف اللّفظيّ، مثلاً، مع ما يضْمِره من احتقارٍ وزرايةٍ وحِطَّةٍ تُصيب، بقوّةِ الإيذاء، كرامةَ مَن وقَع عليه فعْلُ ذلك العنف. ولقد تولّدت من هذا النّوع من العنصريّة ألوانٌ عديدة من النّزاعات والحروب في التّاريخ الإنسانيّ، وكثيراً ما خلّفتْ آثاراً عميقةً في العلاقات البيْنيّة والنّفسيّات الجماعيّة حتّى بعد أن تضع تلك المنازعات والحروبُ أوزارها. على أنّ ما شهِد عليه العالم من صراعات الأعراق والأقوام، في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، لا يعادله في الاحتداد ما شهِدت عليه البشريّة في أزمنة سابقة نظراً إلى نسبةٍ من العنف عليا أنجبها التّقدُّمُ المَهُول في إنتاج أدوات القتل والإفناء!
لم تخْتصَّ أمّةٌ بعينها بلوثةِ العنصريّة العرقيّة تجاه غيرها من الأمم والأقوام، أكان ذلك الماضي أو اليوم، إذ تقاسمتِ الأممُ كلُّها والمجتمعاتُ كلّها الإصابةَ بهذه اللّوثة، والانسكان بشعور التّفوُّق الذّاتيّ على الغير وبَنَتْ سلوكَها الجماعيّ ضدّ ذلك الغير على هذا المقتضى. صحيحٌ أنّ هناك جماعات دينيّة وقَبَليّة عاشت على فكرة اصطفائها الإلهي، وآمنت بأنّها «شعب اللّه» وبأنّها وحدها خُصّت برسالةٍ من السّماء، وبعنايةٍ من السّماء، وصحيحٌ أنّ فكرةَ طهارة عِرْقٍ مّا أو نقاوتَه وُجدت لدى جماعاتٍ أخرى اجتماعيّة، ولم تكن أسبابها دينيّة بأي حال، ولكنّ هذا ليس دليلاً على أنّها وحدها العنصريّة في الجماعات الإنسانيّة، بلِ الأمرُ في هذا يتعلّق بتفاوُتٍ في درجات التّشبُّع بالعنصريّة لا باستثناءٍ أو تفرُّد في باب التّعبير عن هذه النّزعة. وعندي أنّ الاشتراك العامّ في الشّعور بتسامي العِرق أو المَحْتِد، عند المجتمعات والأمم، ليس سوى التّعبير المباشر عن نزعة التّمركُز على الذّات التي لا تَعْرَى من الإصابة بها جماعةٌ من الجماعات الإنسانيّة.
هذه حقيقة تفرض نفسَها بمعزلٍ عن العوامل والأسباب التي تؤدّي إليها، وبمعزلٍ عن مصادرها التي تنهل منها مواردها: أكانت مصادر دينيّة أو ثقافيّة أو سياسيّة أو أنثروپولوجيّة أو ما إلى ذلك، ثمّ أكانت تنحدر من الماضي أو تعيد إنتاج نفسها في الحاضر.
بدأت عنصريّة الأعراق تنهل مبادءَها من نتائج علوم البيولوجيا في القرن الثّامن عشر وتوظِّفها في السّياسات، بعد أن تمرّ تلك النّتائجُ بتجربة محاكاةٍ وتوطينٍ في ميادين العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة: على مثال ما جرى في قرن هذه العلوم (القرن التّاسع عشر) وتجلّى في ميلاد «نظريّات» اجتماعيّة بهذا المعنى. على قاعدة نظريّة التّطوُّر الدّاروينيّة وما كشفت عنه من حقائق تتعلّق بتطوّر الكائنات الحيّة، وانتقالِها من طورٍ أدنى إلى طورٍ أعلى في التّكوين، فُتِح البابُ فسيحاً أمام تصنيف النّوع الواحد، في العالم الطّبيعيّ إلى عائلات بيولوجيّة متفاوتة في نفاسة المحتِد ومتدرِّجة، تفاضُليّاً، من الأدنى إلى الأعلى. هكذا بات يمكن تقسيم العالم الحيوانيّ - نظير العالم الطّبيعيّ: العضويّ وغير العضويّ - إلى أنواع تتميّز فيها هذه الفصيلة من تلك بعددٍ من «الخصائص الجينيّة»، ثمّ ما لَبِث أنِ انتقل التّصنيفُ التّفاضليّ إلى العالم الإنسانيّ نفسه ليُخضع الشّعوب والأمم له، ولتتولّد من ذلك نزعة العنصريّة العرقيّة!
لم تكن نظريّات البيولوجيا الدّاروينيّة قد استقرّت في البيئات العلميّة الخاصّة بعلوم الطّبيعة وفرضت أحكامها، حتّى بدأت تنفُث آثارها في ميدان علوم الاجتماع حديثةِ الوجود في ذلك الإبّان. هكذا نشأت، على هامش طفرة البيولوجيا الدّاروينيّة، فلسفةٌ اجتماعيّة جديدة عُرِفت باسم الدّاروينيّة الاجتماعيّة وكان هربرت سپنسر أوّل ممثّلٍ لها. ولعلّها تكون في جملة ما شجّع على فكرة المُمَايَزَة/المفاضلة بين الشّعوب والثّقافات، وهي الفكرة التي شهدت على ازدهارٍ في أواسط القرن العشرين. ولقد صادف أنّ طفرةً شبيهةً بها شرعت في التّحقُّق في ميدان علوم اللّغة والفيلولوجيا.
بلغتِ العنصريّةُ، التي مبْناها على الأعراق والأجناس والدّماء، ذُراها في العالم الحديث والمعاصر، وانطلقت موجاتُها الكبرى في القرن التّاسع عشر من ساحةٍ كبرى، مهيَّأة سلفاً لاستهلاك هذه النّزعة، هي أوروبا: موطنُ نزعة التّمركز على الذّات - التي أنجبت ظاهرة المركزيّة الأوروبيّة - وموطنُ الثّورات العلميّة التي أرهصت بفكرة مراتِب الأعراق ومحاتِدها وكانت حاضنةً لها وبيئةً خصبة لنموّها وتضخُّمها.
ومن المفارقات أنّ موطِنَ هذه الموجات الجديدة من عنصريّة العِرق هو عينُه الميدانُ الذي انفجرت فيه قنبلةُ العنصريّة وتفجّرت بها بلدان أوروبا برمّتها. لقد كانت النّازيّةُ الألمانيّة هي اللّحظةَ العليا في نموّ الفكرة العنصريّة والتّعبير الأشدَّ تطرُّفاً عنها في الوقتِ عينِه الذي أفصحت فيه سياسيّاً عن ثقافة التّفوّق العرقيّ لتقود أوروبا - وتقود نفسها معها - إلى حتْفٍ كلّيّ انتهت به مركزيّتُها في العالم بعد مديدِ عنفوان! هكذا وقَع التّزاوُج، في التّجربة الألمانيّة، بين فكرة التّفوُّق - وقد امتدّت جذورُها إلى فلسفة كَنْت وفخيته وهيغل - وفكرة القوّة التي نظّر لها نيتشه فلسفيّاً لتجد، بعد عقود، حاملَها السّياسيّ في المشروع السّياسيّ للحزب الوطنيّ النّازيّ الذي نجح في أن يستثمر في نكبة ألمانيا، في الحرب الأولى، وفي مأساة تفريق كيانها وتغريمِها في «مؤتمر الصّلح» في باريس 1919.
[email protected]