عادي

سيناريوهات الأزمة الإيرانية.. مواجهة عسكرية أم مَخرج دبلوماسي؟

20:20 مساء
قراءة 4 دقائق

رغم الحشود العسكرية المدمرة التي تضعها الولايات المتحدة الأمريكية قبالة السواحل الإيرانية، فإن طهران ترفض حتى الآن الاستجابة للخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس دونالد ترامب، ما يطرح العديد من التساؤلات عن السيناريوهات المحتملة، سواء التوصل إلى حل توافقي يتم تنفيذه على مراحل في حال أفضت المفاوضات لاتفاق، أو اعتبار المواجهة العسكرية أمراً حتمياً لا مفر منه.

لماذا قد تختار طهران تلقي ضربة؟

ويقول عدد من المحللين: إن النظام الإيراني يرى أن الاستسلام لمطالب واشنطن بشأن تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية أو حتى دعم جماعات مسلحة في المنطقة، يمثل خطراً أكبر على بقائه من خوض الحرب، حتى لو دفعه ذلك لخوض ما يصفه البعض بـ«مناورات حافة الهاوية عالية المخاطر».

ويوضح ساسان كريمي، أستاذ السياسة بجامعة طهران والذي شغل منصب نائب الرئيس للاستراتيجية في الحكومة الإيرانية السابقة: «إن تجنب الحرب يمثل أولوية قصوى بالفعل، ولكن ليس بأي ثمن، ففي بعض الأحيان، قد يولي قادة إيران أهمية بالغة للأيديولوجيا، تفوق حتى أهمية البقاء المباشر للنظام».

ويقول علي واعظ، مدير ملف إيران في مجموعة الأزمات الدولية: «بالنسبة لإيران، يُعدّ الخضوع للشروط الأمريكية أخطر من تلقّي ضربة أخرى، فهم لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستخفف الضغط بمجرد استسلامهم، بل يعتقدون أن ذلك سيشجع واشنطن على استهدافهم بشكل مباشر»، وأكد خامنئي مراراً وجهة نظره بأن الهدف النهائي لواشنطن هو إسقاط نظام الحكم في إيران.

ويؤكد داني سيترونوفيتش، الخبير في المجلس الأطلسي والذي ترأس سابقاً فرع إيران في الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية، أنه بالإضافة إلى الحسابات الاستراتيجية كالصواريخ الباليستية، يصر خامنئي على تخصيب اليورانيوم باعتباره «ركيزة أساسية للنظام نفسه»، وأضاف أنه إذا تنازل قادة إيران عن هذه النقاط، «فسيقوضون وجود النظام نفسه»، واستطرد: «أعتقد أنه ليس لديهم خيار آخر سوى المراهنة على الجانب العسكري».

الخطوط الحمراء.. والتخصيب الرمزي

وتريد إدارة ترامب من إيران الموافقة على وقف تخصيب اليورانيوم نهائياً لضمان عدم قدرتها على صنع سلاح نووي، كما يصر مسؤولون أمريكيون في بعض الأحيان على الحدّ من مدى صواريخ إيران الباليستية وإنهاء دعمها للمليشيات المتحالفة معها في المنطقة.

وبالنسبة لإيران، التي تؤكد أن برنامجها النووي سلمي، يُعدّ تخصيب اليورانيوم حقاً يكفله المرشد علي خامنئي، ولا يمكن لمسؤوليه التخلي عنه، كما ترى إيران أن امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى إسرائيل أمراً بالغ الأهمية للدفاع عن النفس.

وعلى هذه الأساس، من المقرر أن يجتمع مسؤولون أمريكيون وإيرانيون في جنيف يوم الخميس المقبل لإجراء محادثات تُعتبر محاولة أخيرة للتوصل إلى حل وسط قبل أن يأمر ترامب بشن ضربة عسكرية.

ووفقاً لمصادر مطلعة على مداولات الإدارة الأمريكية، سينظر الجانبان في مقترح يُتيح مخرجاً من الحرب ويتمثل في السماح لإيران ببرنامج محدود لتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.

لماذا تعلي إيران نبرة الرفض؟

يبدو أن أحد أسباب التعنت الإيراني في مواجهة المطالب الأمريكية، هو نظرة إدارة ترامب لطهران على أنها لا يمكنها الرفض، فبحسب تصريح مبعوث ترامب ستيف ويتكوف، يتساءل الرئيس الأمريكي باستغراب «عن سبب عدم استسلامهم»، كما صرح نائبه جي دي فانس، لقناة فوكس الأسبوع الماضي بأنه على الرغم من التهديد بالحرب، فإن الإيرانيين «ليسوا مستعدين بعد للاعتراف فعلياً بمطالب الرئيس والعمل على حلها».

وفي يونيو/ حزيران الماضي، تكبّدت إيران خسائر فادحة خلال حرب استمرت 12 يوماً شنّتها إسرائيل وانضمت إليها لفترة وجيزة طائرات حربية أمريكية، وقد أدّى هذا الصراع، إلى جانب العقوبات الدولية القاسية، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الإيرانية، التي أججت احتجاجات عامة غير مسبوقة، راح ضحيتها آلاف المدنيين.

وعلاوة على ذلك، تواجه طهران حشداً كبيراً للقوة الأمريكية، بما في ذلك مجموعتين ضاربتين لحاملات الطائرات، وحشداً لطائرات الاستطلاع والتزود بالوقود في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

استيعاب الضربات المحدودة

ومن المرجح في حال اتخاذ ترامب لشن ضربة عسكرية أن تسعى طهران إلى استيعاب الضربات المحدودة والحد من ردها على الهجمات، كما فعلت في يونيو الماضي، وفقاً لفرزين نديمي، وهو محلل دفاعي متخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. ويضيف أنه إذا اختار ترامب المضي قدماً، فسيتعين على القوات الأمريكية، وربما بمساعدة إسرائيل، أن تسارع في الأيام القليلة الأولى للقضاء على أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية لعرقلة محاولة رد فعل أكثر شراسة وأوسع نطاقاً.

طرق الرد الإيراني

وأضاف أن ذلك سيتطلب «جهداً مكثفاً من جانب كل من الولايات المتحدة والإسرائيليين -ليس فقط القوة الجوية، ولكن أيضاً العناصر البرية- للتأكد من تحييد تهديدهم الصاروخي». ويقول خبراء: إن إيران ستحاول بدورها استغلال استراتيجية الحوثيين، ففي العام الماضي، قامت الميلشيات الحوثية باستهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وشنّت هجمات متواصلة على طائرات أمريكية مسيّرة وسفن دولية، بما في ذلك حاملة طائرات أمريكية.

وكلفت المواجهة التي استمرت 31 يوماً واشنطن أكثر من مليار دولار، وفي النهاية أبرم ترامب صفقة بدلاً من المخاطرة بتورط عسكري مطول، وقال محللون: إن إيران قد تحاول خلق مواجهة طويلة الأمد ودموية قد تضر بترامب في عام انتخابات التجديد النصفي.

ويؤكد محمد علي شباني، المحلل الإيراني أن أحد الأمور غير المعروفة هو ما إذا كان بإمكان إيران شن ضربات عبر ممرات الشحن الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، أو ما إذا كان بإمكان الحوثيين ضرب الناقلات في البحر الأحمر، وهو ما قد يحدث تداعيات داخلية أمريكية بل وعالمية، تلقي بظلالها على انتخابات التجديد النصفي القريبة في الولايات المتحدة.

سيناريو الضربة السريعة

وبحسب المحللين، فبإمكان القوات الأمريكية والإسرائيلية توجيه ضربة سريعة ومدمرة، كما فعلت في يونيو الماضي، عندما قُتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين في غضون ساعات وتعرضت المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية للهجوم.

لكن طهران استخلصت العبر من تلك الحرب، بحسب مسؤولين إيرانيين وإقليميين، وأعدت عدة مستويات قيادية لتحل محل أي قتيل، ويهدف هذا إلى ضمان استمرار النظام بعد انتهاء الصراع حتى لو لم ينجُ خامنئي وغيره من القادة.

ويرى البعض أنه إذا اختار ترامب توجيه ضربة، فمن المرجح أن يكون هدفه هو صدم القيادة الإيرانية بشدة كافية لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه، لكن العديد من الخبراء قالوا إن إيران رفضت الخضوع لشروط الولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة، وإذا نجت من حرب أخرى، فمن المحتمل أن ترفض مجدداً.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"