محمد الحمادي *
ليست المشكلة في الإمارات.. بل في العدسات التي ينظر بها البعض إليها.
فعندما تعجز النماذج التقليدية عن تفسير تجربة مختلفة، يلجأ الذهن إلى استعارات جاهزة، فيقال إنها «إسبرطة الصغيرة»، أو يُروَّج لها على أنها «حصان طروادة». لكن الحقيقة أبسط وأعمق في آن واحد: الإمارات دولة لم تُبنَ على منطق القوة العسكرية، ولا على منطق الخداع السياسي، بل على فكرة التنمية كقوة، والاستقرار كشراكة، والمستقبل كمشروع. ولهذا فإن أي محاولة لفهمها عبر تشبيهات الماضي محكوم عليها بالفشل، لأن ما حدث هناك لم يكن تكراراً للتاريخ... بل كتابة جديدة له.
الإمارات بالتأكيد ليست إسبرطة لأن الأخيرة كانت دولة عسكرية مغلقة، ومجتمعاً صارماً قائماً على الانضباط القتالي، واقتصاداً محدوداً يعتمد على القوة أكثر من أي شيء آخر.. أما الإمارات فهي نقيض ذلك تقريباً، فهي دولة اقتصاد عالمي مفتوح، مركز مالي وتجاري وسياحي، وبيئة متعددة الثقافات تعيش فيها أكثر من 200 جنسية في استقرار وأمان. كما أنها دولة استثمرت في التعليم والتكنولوجيا والابتكار والفضاء والطاقة المتجددة قبل أن تستثمر في القوة العسكرية، لأن مشروعها في جوهره مشروع تنموي لا مشروع عسكري، رغم ما لديها من مؤسسات أمنية وعسكرية متطورة، لكن هذه المؤسسات ليست تعريف الدولة، بل جزء من منظومة دولة حديثة مثل أي دولة متقدمة.
والإمارات أيضاً ليست حصان طروادة الذي يقوم في رمزيته التاريخية على الخداع والتسلل والعمل الخفي، فالإمارات دولة تقوم فلسفتها السياسية على الوضوح والشراكات المعلنة والمصالح المتبادلة. علاقاتها الدولية تُبنى عبر الاتفاقيات الرسمية، والاستثمارات المعلنة، والمبادرات الإنسانية المعروفة، وليس عبر أجندات خفية أو مشاريع سرية، وهي الدولة التي تقدم عشرات المليارات من الدولارات مساعدات إنسانية وتنموية لأكثر من 150 دولة، وتشارك في مبادرات المناخ والطاقة والغذاء العالمية، وتستضيف الأحداث الدولية الكبرى. لا تعمل من وراء الستار، بل على المسرح الدولي وبشفافية كاملة... فمن يعرف الإمارات يعرف أنها لا تُدخل مشاريع إلى المنطقة، بل تُدخل فرصاً، والفارق كبير بين الاثنين.
أما الحقيقة الأقرب فهي أن الإمارات تشبه طائر العنقاء أكثر من أي شيء آخر، والعنقاء في الأسطورة ليست مجرد طائر، بل رمز القدرة على النهوض والتجدد والانبعاث من التحديات، وهذا بالضبط ما فعلته الإمارات خلال عقود قليلة. دولة صغيرة في الجغرافيا، محدودة الموارد في بداياتها، لكنها اختارت ألا تستسلم لقيود الواقع، بل أن تعيد تعريف الممكن، خرجت من صحراء قاسية إلى اقتصاد عالمي، ومن موارد محدودة ومنطقة شديدة الاضطراب إلى مركز ابتكار، ومن محيط إقليمي مضطرب إلى نموذج استقرار.
العنقاء تحلق، ولا تختبئ، وهكذا فعلت الإمارات.. اختارت أن تواجه المستقبل بدلاً من الهروب إلى الماضي، وأن تبني نموذجاً مختلفاً في منطقة أنهكتها الصراعات والشعارات، لم تنتظر أن تتغير المنطقة بل بدأت بتغيير نفسها، استثمرت في الإنسان قبل البنيان، وفي المعرفة قبل السياسة، وفي الاقتصاد قبل الأيديولوجيا. ولهذا أصبحت تجربتها مفهومة عالمياً أحياناً أكثر من فهمها عربياً وإقليمياً، لأن العالم يقيس الدول بالنتائج، لا بالخطابات.
الإمارات ليست قوة تبحث عن نفوذ، بل دولة تبحث عن دور يقوم على الاستقرار والتنمية والشراكة ولهذا نراها تستثمر في الطاقة المتجددة في قارات متعددة، وتشارك في مشاريع الأمن الغذائي والمياه، وتبني شراكات اقتصادية مع الشرق والغرب في آن واحد، وتعمل في مجالات الفضاء والتكنولوجيا المتقدمة التي لا تخدمها وحدها بل تخدم البشرية أيضاً، هذه ليست سياسات «إسبرطة» ولا أساليب «حصان طروادة» بل فلسفة دولة تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالعلم والعمل لا بالصراع، ولهذا، فإن سوء فهم الإمارات لدى البعض يعود إلى أنهم يبحثون عنها في نماذج الماضي، بينما هي تتحرك في نماذج المستقبل.
والإمارات ليست دولة بلا أخطاء... لكنها دولة بلا أقنعة، فهي واضحة في تحالفاتها، واضحة في مصالحها، واضحة في أهدافها: التنمية، الاستقرار، التقدم. وهذا الوضوح هو سر قوتها، وهو أيضاً سبب الجدل حولها، فالدول التي تتحرك بسرعة في بيئة بطيئة تثير الدهشة... وأحياناً الشك!.
لكن العنقاء لا تهتم بكل ذلك، هي تحلق فقط، وهكذا تفعل الإمارات... تحلق نحو المستقبل، تاركة وراءها جدل الماضي لمن يريد البقاء فيه، وتاركة ضجيج الخلافات لمن يستمتع به!
MEalhammadi@
كاتب صحفي*