بين الحداثة وفلسفتها

01:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

بين النّموذج الذّهنيّ (النّظريّ)، الذي يكوِّنه الفكر عن ظاهرةٍ مّا، والنّماذج الواقعيّة التّاريخيّة فارقٌ نُهْدره، في الغالب، كلّما مِلْنا إلى اختزال تَعَدُّد النّماذج الواقعيّة في واحديّة النّموذج الذّهنيّ ذاك. يوفّر لنا النّموذج إمكاناً معرفيّاً لإدراك السّمات العامّة المشتَرَكة بين ظواهرَ اجتماعيّة عديدة (سياسيّة، اقتصاديّة، ثقافيّة، قيميّة...، معرفيّة) يُدخِلها الاشتراكُ في السّمات تلك في نطاق البنية الواحدة والنّموذج الواحد، في الوقت عينِه الذي يساعدنا فيه على تمييزِ نموذجٍ (ذهنيّ) من نموذجٍ آخر.
هذه لحظةٌ معرفيّة- نظريّة ضروريّة يمرّ بها التّفكير في الموضوع المدروس، غير أنّ الخشيةَ واردةٌ من احتمال التّوقّف عند حدود ما نتحصّله منها (الأمرُ الذي يتولّد معه الشّعورُ الخادع بأنّنا حقّقنا العلم الضّروريّ بالظّاهرة) فيما نتجاهل أنّ النّموذجَ النّظريّ ذهنيٌّ، حُكماً، لا ينطبق دائماً - وقد لا ينطبق أَلْبَتَّةَ - على الواقعات. يدفعنا هذا إلى الاعتقاد أنّ في اختزالنا النّماذجَ الواقعيّة في النّموذج الذّهنيّ (المفهوميّ) إفقاراً لمعرفتنا النّماذج تلك، وعائقاً أمام إمكانِ إدراكِ أسباب اختلافها وتَعدُّدها. إلى ذلك لا يفتأ النّموذج الذّهنيّ أن يصير معياراً - فوقَ تاريخيّ - للقياس عليه، ومثالاً لاستنساخ المستحيل. والنّتيجةُ أنّ النّموذج الذّهنيّ يكُفُّ عن أن يكون مشتقّاً من النّماذج الواقعيّة، وتعبيراً عن سماتها العامّة المشتركة لتصبح تلك النّماذجُ المادّيّة مشتقّةً منه!
لنأخذ، مثالاً لذلك، مفهوم الحداثة، وهو يُضْمِر نموذجاً ذهنيّاً لفكرٍ ورؤيةٍ إلى العالم كان لهما في التّاريخ الحديث تجلّيّات وترجمات مادّيّة ومؤسّسيّة. كانت أوروبا رَحِمَ هذا النّموذج الذي منه خرجَ إلى الوجود، ومهْدَهُ الذي انطلق منه ليزحف على العالم بدرجاتٍ من التّأثير متفاوتةً ومرتبطة، في الآن عينِه، بمقدار ما لدى الأصقاع التي زحفت عليها الحداثةُ من قابليّةٍ - ذاتيّةٍ وموضوعيّة - لاستقبال آثارها واستبطانها ثمّ التّكيّفِ مع ظواهرها ومعطياتها وما تقضي به من أحكام. وإذْ يُشار بالحداثةِ، ابتداءً، إلى منظومةٍ من التّفكير جديدةٍ، شهِدت على اكتمال حلقاتها في القرن التّاسع عشر، يُحْتاج إلى النّظر، بعنايةٍ، إلى مقدّماتها التي تعود إلى القرن السّادس عشر، وإلى ما تَلَى تلك المقدّمات من تاريخٍ تراكميّ لظاهراتها المتعاقبة. هذا يعني أنّ تأْريخاً دقيقاً للحداثة - بما هي رؤية إلى العالم وبما هي ظاهرات - لن يكون شاملاً ولا مكتملاً، مثلما هو لن يكون موضوعيّاً، إنْ هو أهمل مقدّماتِها التّأسيسيّةَ تلك أو تجاهلَها فلم يستدمجها في تاريخها.
وعليه، بمثل ما يكون تعريفُ الحداثة دقيقاً بالقول إنّها تُجسِّد سيادة العقلانيّة، والفكر العلميّ، والرّوح الفرديّة، والنّزعة النّقديّة في التّفكير، والحرّيّة...، وما تَوَلَّد من سيادة هذه النّزْعات وتطبيقاتها المادّيّة من ظواهرَ تاريخيّةٍ عظيمةِ الشّأن من طراز الثّورة الصّناعيّة، ومن طراز الثّورة العلميّة للقرن الثّامن عشر، وفلسفةِ الأنوار، وموْجاتِ الثّورات السّياسيّة- الاجتماعيّة (الإنجليزيّة والأمريكيّة والفرنسيّة)، والوحْداتِ القوميّة للأمم الأوروبيّة، ونشوءِ الرّأسماليّة وكوْننتها، وقيامِ الأنظمة الدّيمقراطيّة، وصولاً إلى فكّ الاشتباك بين السّياسيِّ والدّينيّ في ما سيُعْرَف بنظام العلمانيّة...، بمثلِ ما يكون دقيقاً حُسْنُ تقديرِ قيمة طفْراتِ الماقبل والتّعبيرُ عن ذلك في صورةِ إدماجٍ لحركاتٍ كبرى، تأسيسيّة، في تاريخ أوروبا الحديث من قبيل: النّهضة الإيطاليّة - التي ما لبثت أن عمّت قيمُها مجمل أوروبا - والإصلاح الدّينيّ (البروتستانتيّ)، والإنسانويّة وسواها ضمن تاريخ الحداثة، على الأقلّ من زاوية ما هي مقدّماتٌ تأسيسيّة للتّاريخ ذاك.
على أنّ هذه الحركة التّاريخيّة العامّة، التي نُطلق عليها اسمَ تاريخ الحداثة، تظلّ أوسعَ في المعنى، بمقدارٍ كبير، ممّا أَلِفْنا تسميته - عادةً - ب فلسفة الحداثة. الحداثةُ مسارٌ وحركةٌ تاريخيّان، بَدَآ أوروبّيَّيْ المنشأِ والمَهَاد ثمّ استحالاَ كونيَّيْ الأفق والامتداد، ووَسِعا مناحيَ الوجود الإنسانيّ وميادين الحياة كافّة: الاقتصاد، الاجتماع، المعارف، الثّقافة، القيم، الفنون...إلخ، أمّا فلسفة الحداثة - وهي لم يستتبّ لها الأمر إلاّ في منتصف القرن التّاسع عشر، أي في القرن عينِه الذي شَرَع فيه الطّعنُ على الحداثة يُطِلّ ويتطاول - فهي وليدةُ الحداثة بما هي حركةٌ تاريخيّةٌ صاعدة داهمتْ حقائقُها ومعطياتُها الأفكارَ، من جهة، وهي تفكيرٌ وتأمّلٌ عميقان في تلك الحركة وتعبيرٌ فلسفيّ منظوميّ عنها من جهةٍ ثانيّة.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"