الأزمة المالية ضحايا بالجملة وأيضاً متربحون ... (12)

01:14 صباحا
قراءة 11 دقيقة

تبدو آثار الأزمة الاقتصادية الحالية واضحة في كل مناحي الحياة سواء في الدول العربية أو غيرها، ومن يتابع البرامج الحوارية واللقاءات الميدانية التي تقوم بها المحطات الفضائية في أسواق وشوارع المدن العربية، سيرى بوضوح معاناة الناس، ولكن تلك المعاناة تختلف من فئة لأخرى، فالمشتكون دوماً هم التجار وأصحاب المهن والأعمال الحرفية وغيرها، في حين يرى الموظفون، وخاصة الحكوميين منهم أن الوضع في الوقت الحالي أفضل من السابق، حيث قلّت معدلات التضخم، ونزلت الأسعار إلى حد ما، وبدأوا يتنفسون الصعداء قليلاً بعد أن طحنتهم ماكينة التضخم الهائل في الأسعار قبل الأزمة، ومن يزر أوروبا وأمريكا في وقتنا الحالي، ير لافتات التنزيلات وفروق الأسعار عما كانت عليه سابقاً وسيجد له مكاناً في الفنادق والطائرات والقطارات أسهل بكثير من فترة ما قبل الأزمة، وهذه حال الأزمات بشكل عام، فهي تنطبق عليها مقولة مصائب قوم عند قوم فوائد، ففي حين يئن الأغنياء نجد الفقراء فرحين ومستفيدين من تلك الأزمات، وعلى العكس من ذلك، نجد أنه في أوقات الرخاء، يبرز أيضاً هذا المثل ولكن بشكل معكوس، ففوائد قوم عند قوم مصائب، حيث يستفيد التجار وأصحاب العقار وغيرهم في حين يئن الموظفون والعمال وغيرهم من زيادة الأسعار وصعوبة الحياة .

الأزمة الحالية لم تصب أمريكا فقط، فكل دول العالم تأثرت إن بشكل أو بآخر، وهنا تكمن المشكلة، فالاقتصاد المالي يختلف عن الاقتصاد التقليدي، ولذلك فبمجرد انهيار سوق الأسهم في الوول ستريت، انهارت اقتصادات دول كثيرة في العالم عام ،1929 والشيء نفسه حدث في الأزمة الحالية . ولا يمكننا حصر كل ما حدث في دول العالم، ولكننا سنأخذ عينات من بعض الدول لنرى ما حدث لها خلال الأزمة الحالية، وأزمة عام 1929 .

آثار الأزمة الحالية على بعض دول العالم

عندما بدأت الأزمة في سبتمبر/أيلول ،2008 كان أول ضحاياها بنك ليمان براذرز وهو رابع أكبر بنك في الولايات المتحدة، تبعه تعثر شركة ميريل لنش التي خسرت في عام واحد ما قيمته 23 مليار دولار، ثم تتابعت حلقات السلسلة في التفكك واحدة تلو الأخرى، وكان أهمها: واشنطن ميوتشوال أحد أكبر مصارف التوفير والقروض في الولايات المتحدة، بالإضافة الى فاني ماي وفريدي ماك المختصتين بتمويل العقارات، وقد بلغت خسائر شركة فاني ماي خلال الربع الأول من عام 2009 ما يقارب ال 23 مليار دولار، وتعدت الأزمة حدود الولايات المتحدة لتضرب مؤسسات مالية ضخمة في أوروبا، مثل مصرف نورثن روك في بريطانيا للتسليف العقاري، والذي قامت الحكومة بتأميمه، اضافة الى بنك اتش بي أو إس رابع بنك في بريطانيا من حيث الرسملة، وكان من ضحايا الأزمة في بريطانيا أيضاً بنك هاليفاكس بنك أوف سكوتلاند الذي قام بنك لويدز البريطاني بشرائه، أما خارج بريطانيا، فقد ضربت الأزمة العديد من البنوك مثل شركةغليتنير المالية في ايسلندا، وبنك هيبو ريل إيستيت في ألمانيا، وقدرت وكالة بلومبيرغ المالية التي تابعت أداء 89 سوقاً مالية حول العالم، خسارة أسواق المال عام 2008 بقرابة 30 تريليون دولار، بينما تشير تقديرات بنك التنمية الآسيوي الى ان خسارة العالم قاربت ال 50 تريليون دولار من الأصول المالية في عام ،2008 ففي الولايات المتحدة خسر مؤشر داو جونز الصناعي ما يقارب 50% من قيمته منذ أعلى مستوى له عند 14043 نقطة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول عام ،2007 وفي ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، خسر مؤشر سوقها داكس ما يقارب 45% من قيمته نتيجة للأزمة المالية العالمية خلال سنة واحدة من مايو/ ايار 2008 حتى مارس/آذار ،2009 وفي اليابان خسر مؤشر نيكاي لبورصة طوكيو ما يقارب 42% من قيمته خلال عام 2008 فقط، ولا يفوتنا هنا عند الحديث عن خسائر أسواق المال العالمية أن نذكر خسائر صناديق الاستثمار السيادية الخليجية المملوكة لحكومات الدول الخليجية، فحسب بنك دويتشة الألماني، بلغت قيمة هذه الصناديق ما يقارب 1،3 تريليون دولار، أما خسائرها، فقد بلغت 450 مليار دولار، وهذا المبلغ يعادل عوائد منطقة الخليج من النفط لعام 2008 كاملاً، أما فيما يخص البطالة، ففي حين بلغت معدلاتها في أمريكا 8،5% في شهر مارس ،2009 فقد بلغت نفس النسبة في دول اليورو، في حين تشير التوقعات إلى وصول عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي إلى 22 مليون عاطل في ظل الأزمة الحالية، وأدت هذه الأزمة التي ما زالت قائمة حتى الآن، إلى تعميق الفقر في العالم، فقد أشار روبرت زوليك رئيس البنك الدولي إلى أن الفقراء في البلدان النامية لا يتوفر لديهم سوى أقل القليل من السبل لحماية أنفسهم ضد الآثار الناجمة عن هذه الأزمة، وفي لندن وباريس وواشنطن يتحدث الناس عما إذا كانوا سيحصلون على مكافآت من عدمه، إلا أن الأمر يختلف تماماً في أجزاء من مناطق إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، حيث تدور المعركة حول ما إذا كان الناس سيحصلون على الطعام من عدمه، وتوقع تقرير صدر عن صندوق النقد الدولي إلى أنه خلال العام الفائت ،2009 انضم ما بين 55 إلى 90 مليون شخص إلى فئة الأشد فقراً في العالم بسبب الأزمة الحالية، وتوقع التقرير أن يقفز عدد من يعانون جوعاً شديداً إلى أكثر من مليار نسمة خلال العام الماضي ،2009 ومن المتوقع أن تدفع الأزمة الحالية بحوالي 35 مليون شخص إلى براثن الفقر والمعاناة في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى فقط والتي يقدّر عدد سكانها بحوالي 480 مليون نسمة، وفي بريطانيا لوحدها، من المتوقع أن تعمق الأزمة من فقر حوالي خمس السكان، وأشار تقرير لمنظمة أوكسفام إلى أن أوضاع ملايين البريطانيين ستسوء بسبب الركود المستمر، وأن هناك 3،9 مليون طفل يعانون من الفقر في بريطانيا التي تعد واحدة من أكثر دول العالم ثراء في وقتنا الحالي . (1) فإذا كانت كل هذه الآثار قد حدثت خلال سنة ونصف السنة فقط من بداية الأزمة، فكيف ستكون إذا استمرت الأزمة فترة طويلة كأزمة عام 1929 .

آثار الكساد العظيم في الثلاثينات على دول العالم

تحولت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في أمريكا في أكتوبر 1929 إلى كساد طويل شمل معظم دول العالم، وسمي ذلك الكساد، بالكساد العظيم Great Depression نظراً لطول مدته وآثاره الكبيرة على اقتصاد الولايات المتحدة وأوروبا وكثير من دول العالم، ورغم الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت والتي سنستعرضها فيما بعد، إلا أن آثار الكساد استمرت حتى نهاية الثلاثينات، وخلال ذلك الكساد، هبطت التجارة العالمية إلى أكثر من النصف لأن معظم دول العالم لم تستطع توفير غطاء من الذهب لعملتها، وبالتالي أصبحت معنية بحماية اقتصاداتها الوطنية من الانهيار ووجدت المصارف المركزية نفسها في أزمة لم يعرف لها مثيل، فالمصرف المركزي في النمسا وجد نفسه عام 1931 في ضائقة شديدة إلى أن أنقذه مصرف التسويات الدولية، ومجموعة من البنوك الدولية، ثم انتقلت الأزمة في العام نفسه إلى ألمانيا التي عانت منذ عام 1928 من صعوبات اقتصادية وسياسية على حد سواء، وانتقلت الأزمة إلى بريطانيا التي كانت تملك كميات كبيرة من الذهب تقدر بملايين الجنيهات الاسترلينية، وأصبحت تلك الاحتياطيات في حدودها الدنيا . (2) وسنتحدث بشيء من التفصيل عن تلك الآثار على أوروبا، وكانت البداية في النمسا، ففي 11 مايو 1931 صعق العالم لدى سماعه نبأ انهيار مصرف كريديتا نشتالت بانك في فيينا، وكان أضخم مصرف تجاري في النمسا، ويضم أكثر من نصف ودائع كل المصارف النمساوية، وبلغتنا المعاصرة، يمكن أن نصف كريديتا نشتالت بأنه مؤسسة أضخم من أن تنهار، واضطرت الحكومة النمساوية لأن تكفله ولكن من دون جدوى، إذ إن انهيار هذا البنك أدى إلى إطلاق موجة من الفزع أصابت كل المراكز المالية في العالم، وأدت هذه الموجة أولاً إلى التهافت على سحب الودائع من بقية المصارف النمساوية، ثم ضربت الشلن في أسواق القطع الأجنبي، وفي غمرة اليأس، حاول مصرف أوستريان ناشيونال بنك اقتراض عملات أجنبية من مصارف أجنبية أخرى، لكن بنك فرنسا أصرّ على أنه لن يكون بالإمكان تقديم أية قروض إلا إذا تخلى النمساويون عن عزمهم على إقامة اتحاد جمركي مع ألمانيا، الأمر الذي رفضته الحكومة النمساوية، وأدت هذه التطورات إلى هرع النمساويين إلى المصارف لسحب إيداعاتهم، وهذا بدوره أدى إلى أحداث مماثلة في هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وبولونيا، وكانت حالات الفزع تلك كافية لنشر الرعب في أقطار أخرى، وكانت أخطر التداعيات تلك التي ضربت ألمانيا . (3) وقد ذهبت التقديرات إلى أن ألمانيا كان عليها أن تدفع مبالغ سنوية كديون مقدارها 800 مليون دولار، بما في ذلك تعويضات الحرب الثقيلة، ونتيجة لذلك هرب كثير من المستثمرين المودعين في بنوك برلين، وخلال فترة قصيرة، أجبرت ألمانيا على تصدير ما يزيد على 5/2 من احتياطياتها من الذهب مقابل الحصول على 230 مليون دولار . (4) وعمد المستشار الألماني هنريك بروننغ إلى تخفيض الإنفاق الحكومي تخفيضاً كبيراً، كما حاول امتصاص النقمة التي أثارتها معدلات البطالة الإضافية والضغوط الداعية للانكماش، كما صرح بأن ألمانيا لم يعد بمقدورها بعد ذلك دفع التعويضات، وقد يكون تصريحه قد لاقى ترحيباً داخل وطنه، لكنه أدى إلى البدء بالتهرب من المارك الألماني بشكل جدّي، وهكذا فإن انهيار عام 1929 ترددت أصداؤه في النظام المصرفي بأكمله في ألمانيا والنمسا ورومانيا والمجر وباقي وسط أوروبا، وسرعان ما انتقلت عدوى الأزمة القائمة في أوروبا الوسطى إلى الباوند، ويرجع ذلك إلى جهود الفرنسيين بهذا الشأن، وبدأت بريطانيا تعاني خسائر كبيرة وسحوبات ضخمة من الأرصدة بالاسترليني المملوكة من قبل أجانب، وقد توضحت أزمة الاسترليني بهذا الشكل لأن الأسعار في بريطانيا كانت قد انخفضت بمعدل 38% عن المستوى الذي كانت عليه عام ،1925 وقد بدا الوضع بائساً . (5) فخلال عام 1930 تراجعت مستويات التوظيف والإنتاج بشدة في معظم أنحاء العالم، وكانت بريطانيا من أكثر الدول تأثراً بالأزمة الاقتصادية، حيث بلغت أعداد العاملين في لندن 1،34 مليون شخص عام ،1929 ارتفعت إلى رقم فلكي جديد وهو 2،5 مليون عاطل في نهاية عام 1930 . (6) وأصبح وضع التجارة الخارجية في بريطانيا ينذر بالخطر، فقد أصبحت الواردات تفوق الصادرات بهامش لا يكف عن الاتساع، وكان رجال المال الإنجليز يقترضون بمعدلات فائدة منخفضة في باريس، ويقومون بإقراض العوائد إلى الألمان بمعدلات فائدة أعلى بكثير، لكن رجال المال الفرنسيين الذين كانوا يشعرون بالقلق بشأن مستقبل الباوند، أخذوا يطالبون بتسديد القروض التي قدموها إلى لندن، وكان الأمر يتعلق بمبلغ يثير الذهول وهو 750 مليون جنيه استرليني، وبلغ العجز في ميزانية الحكومة البريطانية 170 مليون جنيه عام ،1932 وهزت هذه الأنباء العالم المالي بأسره، وبدأ الذهب يخرج من بريطانيا، وتكاثرت الآراء التي تدعو الحكومة لاتخاذ إجراء صارم لتنظيم أمورها المالية، وبحلول شهر أغسطس ،1932 كان كل عامل من بين أربعة عمال تقريباً من دون عمل، وذلك بالمقارنة مع كل عامل من بين كل ستة عمال عام ،1931 بينما كانت الأسعار والأجور مستمرة في التدني، وبذل جهد كبير للاقتراض من مصارف فرنسيا وأمريكية بما في ذلك مصرف جي بي مورغان، لكن المصرفيين رفضوا تقديم قروض دون فرض تخفيضات على الموازنة كانت أكثر مما يمكن للحكومة قبولها، وفي 12 سبتمبر 1932 وجه ملك بريطانيا رسالة إلى رئيس الوزراء الجديد جورج ماكدونالد قال فيها إنه نظراً للوضع المالي الخطير الذي تواجهه الأمة، فإنه يشارك شخصياً بالحركة الرامية إلى تخفيض الانفاق الوطني بأن يستغني عن 50 ألف جنيه إسترليني في السنة من مخصصاته السنوية، وهو تخفيض تبلغ قيمته 10% تقريباً، لكن الأمور كانت تسير نحو الأسوأ، فارتفاع الضرائب وخفض النفقات ومعدلات فائدة أعلى كان قاتلاً، فقد تدهور الاقتصاد أكثر، وارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات أعلى، مما خفض عوائد الضرائب مع تقلص الرواتب والأرباح، وفي النهاية، وجدت الحكومة نفسها في مواجهة عجز فاق توقعات الخبراء .

مصر وأزمة 1929

قبل فترة، أجرت قناة الجزيرة من خلال برنامج بلا حدود لقاءً مع أحد المزارعين المصريين الذي تحدث عن الوضع الزراعي في مصر في وقتنا الحالي، وأشار إلى تدهور الزراعة وهجرة المزارعين إلى الخارج، وتدني مستوى المحاصيل الزراعية المصرية، ولفت نظري حديثه عن تدهور زراعة القطن التي كانت تعد من أهم أنواع الزراعة في العالم العربي، وأدت تلك الزراعة إلى دخول مصر في مصاف الدول الأولى في زراعة القطن في العالم، في وقت من الأوقات، لذلك كانت مصر هي الدولة العربية الأبرز في تأثرها بالأزمة الاقتصادية العالمية عام ،1929 وقبل أن نتناول الأثار الاقتصادية التي أصابت مصر في الثلاثينات سنعود قليلاً إلى الوراء ونرى كيف رفع محصول القطن من مكانة مصر الزراعية، فقد تميزت الفترة من 1882-،1914 بالتوسع في الزراعة وزيادة رأس المال المستثمر في مشروعات الري الكبرى، وأنشاء شبكة من الترع، ومد شبكة من الخطوط الحديدية إلى غير ذلك من ضروب الإصلاح، وتخصصت مصر في زراعة القطن اللازم للمصانع الأوروبية وغيرها، وتميز ذلك القطن عن غيره من كونه من الأنواع طويلة التيلة، ولذلك ارتبط الاقتصاد المصري ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد العالمي، حيث كانت أسعار القطن المصري الذي يعتبر العمود الفقري للاقتصاد المصري، خاضعة للأسعار العالمية للقطن، ولعل التوسع في زراعة القطن يرجع إلى عصر محمد علي، الذي أدخل زراعة أصناف جديدة من القطن تمثلت في نوع قطن الجميل طويل التيلة عام ،1821 فتوسع في زراعته بغرض الحصول على أكبر قدر من الدخل النقدي لمسايرة مصالحه في إقامة إمبراطورية شرقية، وأصبح القطن في خمسينات القرن التاسع عشر من أهم المحاصيل الزراعية التي تنتجها مصر، وتضافرت عدة عوامل داخلية وخارجية جعلت مستقبل مصر ليس الزراعي فحسب، بل والاقتصادي والسياسي يرتبط بهذا المحصول، وتطور محصول القطن تطوراً كبيراً، حيث كان في عام 1835 قد بلغ أكثر من 213 ألف قنطار، وبلغ في عام 1865 ما يقارب 2،131،716 قنطاراً، وتعدى ال2،792،716 قنطاراً عام ،1880 وفي عام 1900 بلغ إنتاج القطن 5،435،000 قنطار، وبلغت المساحة المزروعة قطناً أكثر من 70% من الأرض الزراعية في مصر، وخلال الحرب العالمية الأولى، تعرضت مصر لأزمة اقتصادية شديدة نتيجة لإنهيار أسعار القطن، إلى أن احتاجت عجلة الحرب للقطن فيما بعد، حيث اتضحت أهميته في الصناعات الحربية، فأخذت أسعاره بالانتعاش مرة أخرى، وبلغت قيمة الارتفاع في الأسعار عام 1919/،1920 لكن الأسعار عادت إلى النزول خلال العشرينات والقرن العشرين، وسارت الأوضاع الاقتصادية في مصر من سيئ إلى أسوأ، حتى حدثت الكارثة الاقتصادية الكبرى في أكتوبر ،1929 وكان لهذه الأزمة العالمية آثارها في مصر، لكن مظاهرها اختلفت في الدول الزراعية عنها الدول الصناعية، فالأزمة في الدول الصناعية ظهرت في شكل هبوط واضح في الدخل والإنتاج والبطالة، لكن في المجتمعات الزراعية كانت في شكل صعوبات في تصريف الحاصلات الزراعية، وانخفاض كبير في أسعارها، فقد انخفض سعر القطن في مصر انخفاضاً كبيراً بلغ حوالي 47% مما كان عليه، وهبطت قيمة الصادرات من 53،8 مليون جنيه عام 1929 إلى 32،9 مليون عام ،1930 أي بحوالي 37% تقريباً، كما انخفضت قيمة الواردات أيضاً، وهبطت نسبة القطن وبذرته إلى مجمل قيمة الصادرات من 84% عام 1929 إلى 68% عام ،1932 وخلال الثلاثينات أصبح هناك ندرة على الطلب للقطن المصري، ولم يكن يتيسر العثور على مشترين للقطن، وبالتالي لم تستطع مصر تسويق محاصيلها، وترتب على ذلك انخفاض في مستويات المعيشة وسوء حال السواد الأعظم من السكان لأن مصر تحصل على حاجاتها من المواد التامة الصنع نظير ما تصدره من الأقطان، فإذا هبط سعر المحصول من دون أن يقابل ذلك ازدياد الكمية المطلوبة منه، أو انخفاض المصنوعات بنفس النسبة تعذرت المحافظة على مستوى المعيشة وهذا كله حدث أثناء فترة الكساد الكبير، حيث كانت نسبة الهبوط في أسعار الغلات الزراعية والمواد الأولية أكثر من غيرها . واتخذت الحكومة المصرية بعض التدابير لمعالجة الأزمة، منها، قيامها بشراء القطن في نوفمبر 1929 حيث اشترت 3 ملايين قنطار، وتوصلت إلى تعريفه جديدة تقرر العمل بها اعتباراً من فبراير 1930 وكانت تلك الخطوة إيذاناً بتحول السياسة الاقتصادية للحكومة تجاه الصناعة، حيث ادركت الحكومة ضرورة تنويع الإنتاج، واعتبر التصنيع أحد فروع الإنتاج المهمة، وأنشئ بنك التسليف الزراعي في يوليو 1931 لينقذ أصحاب الملكيات الزراعية وخاصة صغارهم من المرابين(8) .

هوامش:

1 د . صالح العلي، نائب عميد كلية الشريعة للشؤون العلمية، جامعة دمشق، دراسة بعنوان أثر الأزمة المالية العالمية في الفقر والبطالة ووسائل معالجتها في الاقتصاد الإسلامي .

2 The Shifting Balance of World Forces

1898-1945, The New Cambridge Modern History,

Vol .X11, PP .59-63

3 بيتر برنشتاين، سطوة الذهب، ص 462-463

4 Webster G .Tarpley, The Crash of 1929, British

Financial Ware fare: 1929, 1931-33

http://www .tarpley .net

5 بيتر برنشتاين، م .س، ص 463-464

6 Webster G .Tarpley, lbid

7 بيتر برنشتاين، م .س، ص 465-468

8 د . علي شلبي، أزمة الكساد العالمي الكبير وانعكاسها على الريف المصري 1929-،1934 ص 17-49

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"