تقوم الحضارة على ركيزتين، هما الثقافة والمدنية.
وللثقافة تعريف جزئي يقصرها على الآداب والفنون وما يسمى «القوة الناعمة»، وتعريف كلّي يجعلها حاوية ومعبرة عن كل أوجه النشاط الإنساني، بما في ذلك طرائق تناوله الطعام والشراب، وأيضاً ملبسه وزينته، إلى كيفية تعامله مع الطبيعة ومع الآخر المختلف.
ثم إن للمدنية تعريفاً مختصراً بأنها كل ما ينتجه الإنسان من مظاهر مادية، أي أنها اصطلاحاً تعني الجانب المادي من الحضارة، ومنه العمران والتقنيات، فالحضارة إذاً هي التطور المادي والمعنوي، والتحضر هو العيش في مجتمعات منظمة.
وأزعم أن ما عشته في الشارقة، عبر خمسين عاماً، وعايشته هو إصرار على تأسيس واستكمال مشروع حضاري، يدرك مؤسسه وصاحب القرار فيه حتمية وجود مضمون أخلاقي إنساني يتخلل الثقافة والمدنية. وأكرر يتخلل وليس يغطي أو يزين.
ولذلك وجدنا تعاملاً فريداً مع الجغرافيا ومع التاريخ، حيث تعامل الجبال والتلال والسهول والوديان، وشوارع المدن والقرى، وصروح المباني العامة من دواوين ومكتبات ومسارح وأسواق وغيرها، تعاملاً يؤكد أنها كائنات حية يعتنى بها، وتجلى قسمات جمالها وحسنها وتنتقى لها أسماء كما لو كانت ابناً أو ابنة أو أحفاداً، وحيث يتم التعامل مع المواقع الأثرية والمعالم التاريخية والوثائق والمخطوطات والآثار الفخارية والخشبية والمعدنية باعتبارها حافظات حية يحافظ على ملامحها وقسماتها، ويتيح لها تنفساً صحياً في مرقدها المتحفي.
وإذا كان الأمر كذلك مع الجغرافيا والتاريخ، فإنه لا يكاد يوصف إذا كان الأمر أمر الإنسان الحي في الشارقة، حيث الخطة المكتملة لبناء ذلك الإنسان بناء تتكامل فيه الجوانب العقيدية مع منظومة القيم العليا الرفيعة، مع كفالة العيش الكريم بالمأوى اللائق والتعليم التربوي فائق اللحاق بأحدث ما في العصر من تقنيات ومضامين تعليمية تربوية، وكذلك الرعاية الصحية والاجتماعية للجميع، أصحاء وذوي إعاقة.
تلك مقدمة شديدة الاختصار للمثول في حضرة درة وثائقية، عكف صانعها أربعين سنة على صوغها صوغاً علمياً منهجياً هي «مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس»، للعالم الجليل صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
وللحديث صلة.