لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة طاقة عادية في الولايات المتحدة، بل أصبح العمود الفقري الذي يغذي كل شيء تقريباً، من محطات الكهرباء إلى المنازل والمصانع، وصولاً إلى قطاع تصدير الغاز الطبيعي المسال المزدهر. غير أن المفارقة التي تتشكل بهدوء في قلب هذا المشهد، هي أن هذا الطلب المتسع يُلبّى من قاعدة إنتاج تضيق تدريجياً.
هذه الفجوة بين قاعدة استهلاك تتسع، ومصادر إمداد تتقلص ليست مجرد خلل مؤقت، بل مؤشر على اختلال هيكلي محتمل في سوق الغاز الأمريكي، قد يترجم إلى ضغوط متكررة على الإمدادات وتقلبات حادة في الأسعار.
المشكلة أن ارتفاع الأسعار، وإن كان حافزاً للإنتاج، يحمل في طياته كلفة اقتصادية ثقيلة، وقد يقوّض طموحات الولايات المتحدة في ترسيخ ريادتها في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات البيانات، وهي قطاعات تعتمد على طاقة وفيرة ومنخفضة الكلفة. وهنا، يجد منتجو الغاز أنفسهم تحت ضغط مزدوج، لتلبية الطلب المتنامي دون إشعال فتيل الأسعار.
لا يمكن فهم المشهد دون العودة إلى «الغاز الصخري»، الذي دفع الولايات المتحدة إلى صدارة منتجي ومصدّري الغاز عالمياً، إذ يشكل الغاز المستخرج من التكوينات الصخرية اليوم نحو 75% من إجمالي الإمدادات الأمريكية.
لكن هذه الثورة، التي بدت لسنوات بلا سقف، بدأت تُظهر علامات الإرهاق. فمع نضوج الحقول الكبرى، تراجعت معدلات النمو بفعل انخفاض ضغط المكامن وتزايد التداخل بين الآبار نتيجة كثافة الحفر.
صحيح أن ارتفاع الأسعار قد يدفع المنتجين إلى تكثيف أنشطتهم، إلا أن الواقع يشير إلى أن أفضل الآبار قد استُنزفت بالفعل خلال أكثر من عقد من الاستكشاف المكثف. وهذا يعني أن المستقبل القريب سيظل معتمداً على نفس الأحواض الرئيسية، حتى مع تباطؤ معدلات الإنتاج.
تتركز معظم إمدادات الغاز الصخري الأمريكي في ثلاثة أحواض رئيسية: «مارسيلاس» في بنسلفانيا، «هاينسفيل» في لويزيانا وتكساس، وحوض «بيرميان» في غرب تكساس.
هذه الأحواض الثلاثة أنتجت معاً نحو 74% من الغاز الصخري الأمريكي في عام 2025، بإجمالي بلغ 22.2 تريليون قدم مكعبة، وهو رقم يعكس تضاعف الإنتاج بأكثر من 160% مقارنة بعام 2016.
لكن هذه القفزة الهائلة تخفي وراءها حقيقة مقلقة، وهي أن النمو يتباطأ بسرعة. ففي ذروة طفرة التكسير الهيدروليكي بين 2017 و2021، بلغ متوسط النمو السنوي للإنتاج من هذه الأحواض 16%، قبل أن يتراجع إلى نحو 6% فقط منذ 2022.
بعبارة أخرى، المحركات نفسها لا تزال تعمل... لكنها تفقد العزم.
رغم جمعها تحت مظلة واحدة، تختلف هذه الأحواض الثلاثة جذرياً في خصائصها وتحدياتها. «مارسيلاس»، عملاق منخفض الكلفة، يستفيد من جيولوجيا ملائمة وقربه من مراكز الطلب في الساحل الشرقي. ورغم ضخامة احتياطياته المتبقية، فإن نموه مكبل بقيود البنية التحتية، خاصة محدودية خطوط الأنابيب وصعوبة الحصول على تصاريح لمشاريع جديدة.
«هاينسفيل»، أقرب إلى مراكز تصدير الغاز المسال، ما يمنحه ميزة استراتيجية، لكنه يعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب عمق المكامن وضغطها العالي، ما يجعله شديد الحساسية لتقلبات الأسعار..
* كاتب متخصص في التحول العالمي في مجال الطاقة (رويترز)