خلال فترة الحرب التي اشتعلت رحاها في منطقة الخليج وما قبلها بقليل، عمدت الكثير من وسائل الإعلام في الكثير من البلدان العربية والأجنبية، وبالذات القنوات الفضائية الإخبارية المعروفة وذات الصيت منها وغير المعروفة كذلك، إلى تخصيص برامج وحلقات تحليلية أو استحداث برامج خاصة تعتبرها سبقاً إعلامياً، بعضها يستضيف مجموعة من الأشخاص الذين تعتبرهم تلك القنوات «دون استثناء» خبراء، بعضهم خبراء استراتيجيون وبعضهم خبراء سياسيون وبعضهم خبراء في الحروب والبعض الآخر خبراء في الشأن الإيراني، ومنهم خبراء في الشأن الخليجي.
كُلّ واحد من هؤلاء يدلي بدلوه، بعضهم يتناطح على الهواء مباشرة هذا يسفّه رأي هذا وذاك يسب شخص هذا، يحاول الواحد منهم أن يظهر وكأنه الوحيد في العالم وفهّامة عصره وزمانه، وأن ما يقوله هو الحق والحقيقة وكل حديث غير حديثه هراء وليس له ما يسنده من أوضاع على أرض الواقع، وفي الحقيقة أن معظم أولئك أو كلهم يفتقرون إلى العمق في معرفة مجتمعات الخليج وسياسات دولها وما يربط بينها من وشائج، ولا يملكون من الفهم الواقعي ما يخص جمهورية إيران الإسلامية.
يغضون أبصارهم إما تعمداً أو جهلاً بحقيقة الأمور، وجلّهم مدّعون لا يملكون من ملكات الاستراتيجية أو التحليل أو المعرفة في الحروب أو خصوصية المجتمعات ما يؤهلهم للحديث على الملأ أو حتى في جلسات المقاهي، وهناك قنوات درجت على قدر كبير من «البلطجة» أو «الفهلوة» الإعلامية التي تحاول أن تدس السم في العسل، أو قلب الحقائق رأساً على عقب في تزييف واضح، وذلك من خلال بعض مقدمي برامجها الذين يدعون المعرفة في كل شيء، فيخرج البعض مقدماً نفسه كناصح أمين وهو لا يفقه حتى فن الحديث والتحليل والمنطق، والبعض الآخر يخلط الحابل بالنابل مدعياً معرفته وصلته بمصادر القرار في جهات عليا تمكنه من معرفة بواطن الأمور ومستقبل الأيام.
ما جرى في منطقتنا الخليجية كشف لنا هشاشة وضعف وتعالي وإسفاف الكثير من القنوات الفضائية وعدم مهنيتها، واعتمادها على المهاترات والفبركة والاختلاق وطمس الحقائق لأغراض خاصة، بالطبع الصحف والمجلات العربية والأجنبية لم تكن بمنأى عن ذلك بكثير، منها ما اختلق أخباراً ومواضيع وقصصاً من الخيال للضرب في دول الخليج، سواء كان ذلك للابتزاز أو لتشويه الصورة.
الحقيقة لم تكن حاضرة في الإعلام وبالذات المرئي منها كانت غائمة أو مجيرة لأهداف خاصة، لغتها مفضوحة، وخبراؤها مزيفون، لقد انكشف الوجه الحقيقي للكثير من القنوات الفضائية ووسائل الإعلام، وكان كل إناء منها ينضح بعدم استقلاليته ومهنيته أو مصداقيته.