بعد أكثر من نصف عام على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وعلى الرغم من التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لا تزال غزة تتلمس طريقها نحو اليوم التالي الذي يواجه عقبات وعراقيل حقيقية ومتعددة الاتجاهات.
تبرز من بين أهم هذه العقبات قضية نزع السلاح في القطاع والتي عادت إلى الواجهة مجدداً مع تحرك الوسطاء ومع ما يتردد عن مهلة قدمها ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف لحركة «حماس» يفترض أنها انتهت بالفعل يوم الجمعة الماضي. غير أن هذه القضية تحديداً، والتي تدخل ضمن استحقاقات المرحلة الثانية، لطالما ارتبطت بسلسلة قضايا مهمة بدءاً من الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، بما في ذلك وقف الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، ووقف التصعيد والقتل اليومي للفلسطينيين، وإدخال المساعدات وفتح المعابر والالتزام بتنفيذ البروتوكول الإنساني كاملاً وفق الاتفاق.
وهناك أيضاً جملة من القضايا المرتبطة بهذه العملية، والتي ينبغي تنفيذها أولاً، ومنها نشر قوة الاستقرار الدولية ومعها قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة التي تم إعدادها وتدريبها، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وتسلمها السلطة، وهي أيضاً قضايا لا تزال تواجه مشاكل عديدة، سواء لوجستية أو تمويلية. وربما يكون الأهم من ذلك كله هو الثمن السياسي الذي ينبغي تقديمه، وهو من الناحية الفلسطينية، إطلاق مسار سياسي يفضي إلى إيجاد تسوية للقضية الفلسطينية وتحقيق السلام في المنطقة. المشكلة الحقيقية تكمن في أن إسرائيل تشترط «نزع السلاح» أولاً وتربطه بكل القضايا الأخرى كالانسحاب وإعادة الإعمار وتمكين لجنة إدارة غزة من ممارسة عملها، أو فتح مسار سياسي من دون تقديم أي ضمانات.
والأسوأ أن إسرائيل تقرن اشتراطاتها بالتصعيد والتهديد والوعيد واستئناف القتال، أي أنها تضع الطرف الفلسطيني بين خيارين: الاستسلام أو العودة للحرب، وهو أمر لن يلقى قبولاً فلسطينياً، وبالتالي يحتاج إلى تدخل الوسطاء، خصوصاً أنه يخالف نصوص خطة ترامب نفسها، إذ إن إسرائيل، وفق وسائل إعلامها، تترقب الرد الفلسطيني على مهلة ملادينوف، لتقرير ما إذا كانت ستذهب باتجاه التصعيد، وسط ترجيح الرفض الفلسطيني للاشتراطات الإسرائيلية، خصوصاً أن هناك مقاربات سابقة جرت بالتفاهم مع الإدارة الأمريكية حول صيغ أكثر مرونة لنزع السلاح، وأيضاً مرونة من الطرف الفلسطيني ضمن شروط معينة. أما التهديد بالعودة للحرب، واحتلال كامل قطاع غزة فهو ليس جديداً، إذ إن إسرائيل في الأصل لم توقف الحرب، ولم تتوقف عن إطلاق النار لحظة واحدة، بما يعنيه ذلك من عمليات اغتيال وقتل يومي للفلسطينيين.
وحقيقة الأمر أن غزة لا تزال تتأرجح ضمن مرحلة ما قبل اليوم التالي، في غياب أي ضغوط جدية لإلزامها بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية.