هيمن السرد القصير على سنوات مضت من القرن العشرين؛ فكان خلالها هو الفن الذي يعبر عن الواقع ويرصد المتغيرات الاجتماعية منذ الخمسينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي.
لكن نوعاً من التراجع أصاب معاقل هذا الإبداع الذكي ؛ فهل من عودة؟.
يُعد الكاتب «صالح كرامة» من أبرز كتاب القصة، وقد ظل وفياً لهذا الإبداع. وفي هذه الحوار معه، يؤكد كرامة أن القصة القصيرة هي «اختبار الذكاء الأقصى» بين الكاتب والقارئ.
يؤكد كرامة أن مسألة تراجع الإقبال ليست ضعفاً في البناء القصصي، بل هي انعكاس لـ«عصر الترهل»؛ حيث فقد القارئ المعاصر القدرة على التقاط الإشارات السريعة والرموز المكثفة، وبات يفضل «الاسترخاء» في عوالم الرواية الفسيحة التي تشرح كل شيء ولا تترك للخيال إلا القليل.
وبحديثٍ لا يخلو من روح التحدي يقول كرامة: «مازلت أكتب القصة القصيرة وسوف أستمر، وأشارك الآن في عدد من الأنشطة المتعلقة بها، منها جائزة (غانم غباش للقصة القصيرة)، والتي يشارك فيها عدد من الكتاب الجدد والقدامى؛ لعل ذلك النشاط يعيد بعضاً من الألق والرحيق».
عبث
ينتقد كرامة غرق بعض القاصين في «التجريب العبثي» والغموض، ما جعل القصة «أحجية مستعصية» لا تهم إلا كاتبها، ويرى أن استعادة القارئ تتطلب العودة إلى «جوهر الحكاية» مع الحفاظ على التكثيف. وضرورة كسر التكنيك الكلاسيكي، والتخلي عن «الراوي العليم»، وتبني التجريد وسيادة الرمز.
ويرمي «كرامة» ببعض اللوم على دور النشر التي ظلت تستقبل المنتج القصصي بنوع من البرود، بل ويقترحون على الكتاب، في بعض الأحيان، تحويله إلى رواية لضمان التسويق؛ هذا «التسليع للأدب» قتل روح المغامرة لدى الكتاب الشباب، وجعلهم يلهثون وراء الحشو اللغوي لزيادة عدد الصفحات، ظناً منهم أن الضخامة هي معيار القيمة، بينما تظل القصة هي «الجوهرة المصفاة» التي لا تحتاج إلى زخارف زائدة.
وفي ذات سياق الحديث عن «النشر»، ذكر كرامة أن المجلات الثقافية كانت ولا تزال هي الملاذ الأخير الذي لا يزال يحترم خصوصية القصة القصيرة. ويرى أن المجلة، بطبيعتها التي تعتمد على التنوع والاختزال، هي البيت الطبيعي لهذا الفن؛ فهي الرئة التي يتنفس منها القاص بعيداً عن شروط دور النشر التعجيزية التي ترفض طباعة المجموعات القصصية المستقلة، فالمجلة تتوافر فيها شروط النقد والنشر، وهي بذلك تقي من الفوضى الكبيرة التي عمت فن القصة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي عملت على خلط المفاهيم والإبداع.
يستمر كرامة في تناول وضع القصة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجعها في عصر الاختصار، واصفاً الوضع بـ «المفارقة المأساوية». فهو يرى أنه من المفترض منطقياً أن تكون القصة القصيرة هي «سيدة المشهد» في زمن الـ (تيك أواي)، إلا أن الواقع يثبت العكس تماماً، لكن تفسير ذلك يكمن في أن ثقافة الاختصار الحديثة هي ثقافة «تسطيح» لا ثقافة «تكثيف». فالقارئ الذي اعتاد على سرعة «التيك توك» وتغريدات «إكس» المقتضبة، يبحث عن المعلومة السهلة التي لا تبذل جهداً في فهمها، بينما القصة القصيرة، رغم قصرها، هي «كتلة صلبة من المعاني» تتطلب مجهوداً ذهنياً مضاعفاً.
ويدفع كرامة بأن الناس في عالم اليوم يهربون إلى الروايات الضخمة ليس حباً في القراءة فقط، بل رغبةً في الاستسلام لسرد انسيابي يملأ وقتهم دون أن يطالبهم بتأويل الرموز أو فك الشفرات. فالقصة القصيرة هي «اختصار عميق»، بينما ثقافة العصر هي «اختصار سطحي»، ومن هنا نشأت الفجوة؛ حيث أصبحت القصة عبئاً على كاهل جيل يطارد السرعة، لكنه يخشى العمق.
تمرد
بشكل أكثر وضوحاً يشدد كرامة على أن القصة القصيرة ترفض أن تكون «وجبة سريعة»، وتراجعها لا يعبر عن هزيمة، بل هو «فعلٌ تمرديٌ» بامتياز. فالقصة ترفض بشدة أن تتورط في أن تكون مجرد خادمة لثقافة «الاستهلاك» أو أن تتحول إلى «تيك أواي» أدبي يرضي غرور السرعة الزائفة، فهي بطبيعتها المكثفة، تأبى أن تكون «كبسولة» سهلة الهضم؛ لذلك يصبح غياب القصة عن قوائم «الأكثر مبيعاً» هو شهادة جودة فهي «فن النخبة الذهنية» التي ترفض الانصياع لمنطق السوق، مفضلةً أن تظل كنزاً مخبأً لمن يقدر قيمة «الجوهر» على حساب «الحشو»، وللذين يدركون أن أثمن الأشياء هي دائماً تلك التي تأتي في أحجام صغيرة، لكنها تزن جبالاً من المعاني.
ويرى كرامة بأن فن القصة يعيش اغتراباً اختيارياً؛ فبينما تتصدر الروايات الضخمة واجهات المكتبات وقوائم الجوائز، تراجعت القصة القصيرة إلى الظل، وكأنها ترفض الانخراط في صخب «الثرثرة السردية» ريثما تصفو سماء الثقافة من ذلك الحشو؛ فرغم سطوة الرواية، تظل هناك حقيقة تفرض نفسها بين سطور القلق الأدبي: وهي أن القصة القصيرة ليست مجرد جنس أدبي عابر، بل هي «ديوان الحياة المعاصرة» بامتياز. ففي زمن يلهث خلف السرعة، تظل الحاجة إلى «الدهشة المختصرة».