تبين أن المدعو تيري جونز أراد بفعلته الشنعاء المساس بنسخ من القرآن الكريم، أن يبدي اعتراضه على بناء مسجد قرب برجي التجارة في نيويورك، وهو ما كشفت عنه مقايضته السقيمة التي أعلن عنها الخميس الماضي التاسع من سبتمبر/ أيلول الجاري، حين دعا إلى وقف مشروع بناء المسجد مقابل تخليه عن فعلته الخرقاء . هكذا أراد الرجل الاعتراض على طريقته على مشروع لقي موافقة قانونية في بلد لا يحظر إقامة دور العبادة لسائر الأديان التوحيدية منها وغير التوحيدية . أراد هذا الشخص بذلك أن يأخذ بلده رهينة، إلى أن يصار إلى قبول وتنفيذ اعتراضه وفي بلد يزخر بوسائل الاعتراض القانونية على الشؤون الداخلية . ولقائل أن يقول هنا إن الحماقة المشينة لهذا الشخص تدخل في بلاده ضمن حرية التعبير، وأن من أراد الاعتراض على الفكرة فإن له ذلك في مناخ يضمن حرية التعبير . وهو رأي مردود عليه، إذ إن فعلته تمس بالأمن القومي لبلاده، وتشكل طعنة صفيقة لعقيدة أكثر من مليار مسلم، ملايين منهم أمريكيون . وما كان لأتباع الديانات أن يفكروا بالمساس بكتب مقدسة لدى أتباع أديان أخرى، ويعلم المرء أي عقاب ينتظر على سبيل المثال المساس بالعقيدة اليهودية في الولايات المتحدة .
لقد اتخذت هذه المسألة طابعاً كونياً، كونها تحمل مخاطر بعيدة المدى حملت حتى أمين عام حلف الأطلسي على التحذير الشديد منها . غير أن لنا أن نسجل بضع ملاحظات بصرف النظر عن طبيعة التطورات اللاحقة .
الملاحظة الأولى، أن الإدارة الأمريكية أعربت عن مواقف مبدئية صائبة في إدانة هذه الفعلة وخاصة في التصريحات التي أطلقتها وزارة الخارجية ووزارة العدل وأطراف رسمية أخرى . وما كان لها إلا أن تتخذ هذه المواقف، وسوى ذلك فإن تعددية الأديان وحرية التعبير تتحول كلتاهما إلى ترخيص باستباحة عقائد الآخرين، وفتح الأبواب أمام صراعات مقيتة تتخذ طابعاً دينياً صريحاً وخطيراً . غير أن التساؤلات ظلت مثارة حتى إعلان القس المجنون التراجع عن فعلته حول ما إذا كان في وسع وزارة العدل تحريك دعوى ضده وتوقيع عقوبات قانونية بحقه استناداً إلى أن مخططه يمس بالأمن القومي ويهدد السلام الاجتماعي . إنه مجرد تساؤل . مع الإدراك أن ذلك الرجل معزول في فلوريدا، وأن أتباعه لا يتعدون خمسين شخصاً، وأن هدفه الشخصي بتحقيق شهرة رخيصة قد تحقق بالفعل .
الملاحظة الثانية، أن المسلمين في أمريكا وعديدهم يبلغ نحو سبعة ملايين نسمة، أبدوا ضبطاً للنفس يثير الإعجاب، وذلك رغم نسبة الاستفزاز العالية ولم ينجرفوا إلى ردود فعل انفعالية، بل إن بعض رموزهم مثل الناشط القيادي نهاد عوض، حذر مما سماه كميناً ينصبه ذلك الشخص ومعه حفنة من الأشخاص الموتورين، لاستدراج المسلمين وتصويرهم على أنهم دعاة ورواد عنف ثم تهيئة مزيد من الضغوط عليهم لاحقا .
الملاحظة الثالثة، أن الدعوة السقيمة للمدعو تيري جونز لم تلق صدى ينم عن أي درجة من درجات القبول بها، لدى غير المسلمين من المنظمات والهيئات الاجتماعية والروحية الأمريكية، ما عزز هامشية هذه الدعوة وفرديتها، وانغلاقها (اقتصارها)على صاحبها رغم الضجيج الإعلامي الذي أحاط بها . وفي واقع الأمر فإن شذوذ الفكرة وعزلة صاحبها أسهما في ما أبداه المسلمون من انضباط واحترام للنفس يثيران الإعجاب، وحملت غير المسلمين على أن يكونوا في مقدمة المنتقدين في الولايات المتحدة كما في سائر أرجاء العالم .
الملاحظة الرابعة، أنه رغم ما تقدم، فإن فوبيا الإسلام والمسلمين ما زالت تفعل فعلها ولو في مناطق معتمة بعيدة عن الأضواء . هناك بالطبع من ينفخ في هذه الظاهرة ويذكي أوارها في أوساط يمينية متطرفة بعضها متصهين في الغرب . غير أن هناك مسؤوليات تقع على المسلمين في تظهير صورتهم على النحو الذي يأملون . وتقتضي الأمانة القول إن ممارسات مديدة تؤدي إلى إبراز صورة أخرى؟ وإلا كيف يحكم المرء على ممارسات يتم اقترافها منذ أعوام في بلد مثل الصومال حيث يسقط يومياً العشرات من الضحايا المسلمين على أيدي جماعات تحمل مسميات إيمانية؟ وكيف يصف المرء استهداف المساجد وأبناء الطوائف المسلمة الأخرى في الباكستان، وهي أنشطة تم استئنافها في ذلك البلد المنكوب ما إن بدأت مياه الفيضانات في الانحسار وقبل دفن الضحايا؟ والأمر ينطبق بدرجة أو أخرى على بعض الممارسات التي ما انفك العراق الجريح يشهدها وتستهدف مسلمين، فرادى وجماعات، من طرف مسلمين آخرين يزعمون أنهم يأخذون بصحيح الدين دون سواهم من المؤمنين .
لقد أثبتت ردود الفعل على دعوة القس الأمريكي المزعوم أن البشرية هنا وهناك ما زالت تتوجس من الانزلاق إلى صراعات عمياء، وأن التطرف المسعور لا يلقى كثرة من الأنصار والمؤيدين، ولعل ما جرى يمثل مؤشرات إلى صحوة ضميرية وذلك أمام خطر داهم يهدد الأخضر واليابس، بانتظار أن تفعل هذه الصحوة الأولية فعلها في جبه مخاطر وشرور أخرى كالهيمنة والاحتلالات وعسكرة العلاقات الدولية واختلال الأمن الغذائي .