الانتخابات في مصر حدث سياسي من الدرجة الأولى وليست مجرد سباق على الوصول إلى المقاعد . وهنا تكمن أهميتها . فالأحزاب السياسية عددها 24 لكن الأحزاب الموجودة على الأرض قد لا تزيد على عشرة أحزاب، تتنافس، لا على الانتخابات نفسها بل على بلورة مواقفها من هذا الحدث . الصحف شبه الرسمية والصحف المستقلة وتلك التي تصدرها الأحزاب والمعارضة، تتناول هذا الحدث بصورة مكثفة وبهامش واسع من الحرية . في تلك الأثناء فإن المشهد بما يتعلق بالصحافة لم يخل من نقاط معتمة، أبرزها إقالة إبراهيم عيسى من رئاسة تحرير الدستور التي ارتبطت باسمه . تم ذلك على أيدي الإدارة الجديدة للصحيفة، غير أنه لا يمكن تجاهل الرائحة السياسية للقرار، إذ يفترض بحزب الوفد الذي ينتمي إليه المالكون الجدد (السيد البدوي ورضا إدوارد) أنهم في صفوف المعارضة، وإن كانت معارضة هذا الحزب العريق معتدلة أو ناعمة، وبمعايير المهنة فلم يكن عيسى فاشلاً، وبمقاييس البزنس فإن أقصاءه أدى إلى تراجع مبيعات الصحيفة، ما يجعله قراراً إقصائياً خاطئاً وغير مبرر . وكان غريباً أن يصدر حزب الوفد بياناً الخميس الماضي 21 اكتوبر الجاري، ينفي فيه صلة الحزب بصحيفة الدستور علماً أن مالكها الجديد هو رئيس الحزب .
في الإعلام أيضاً جرى التضييق على محطات تلفزيونية ضمن سلة إجراءات طالت محطات ضعيفة المستوى والمحتوى تقع استوديوهاتها في القاهرة . ومنها منع بث الرسائل الاخبارية القصيرة على الهاتف المحمول من دون ترخيص، ومنع البث التلفزيوني المباشر لمحطات غير مصرية . . وهي إجراءات رغم طابعها القسري تحتمل النقاش وذلك في ضوء التدافع بين اعتبارات سيادية واستراتيجية وبين مقتضيات حرية التعبير .
مع ذلك فإن منسوب الحريات الإعلامية يظل حتى بعد هذه الإجراءات، هو الأعلى في المشرق العربي . وبما أن الانتخابات هي عملية سياسية، فإن وسائل الإعلام دخلت طرفاً وشريكاً فيها، وذلك بمراقبة الإجراءات المتعلقة بهذه العملية كالحملات الانتخابية ومراقبة سلوك المرشحين والسلطات على السواء، جنباً إلى جنب مع القوى السياسية المختلفة . وبعض هذه القوى ما كان يمكن أن يتحقق لها أي حضور، لولا ما تفسحه لها وسائل الإعلام من فرص التعبير عن الرأي، وهو في الأغلب الأعم رأي معارض ابتداء من جماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي تشارك مع ذلك في الانتخابات، مروراً بحزب التجمع، والعربي الناصري، وحزب الجبهة الديمقراطية، وليس انتهاء بالجمعية الوطنية للتغيير التي يرعاها محمد البرادعي .
الحدث سياسي إذن، فالمطالبات لا تقتصر كما في مثل هذه المواسم في دول أخرى على الدعوة لنزاهة الانتخابات وشفافيتها وحياد السلطات، لكنها تمتد للمطالبة برفع ما تبقى من أحكام قوانين الطوارئ وتعديل الدستور وبالذات بما يتعلق بشروط الترشح للمركز الأول في البلاد، وتمكين الرقابة الخارجية والداخلية من متابعة ما يجري، والدعوات لوقف استغلال الحزب الوطني لتسهيلات مقدمة له من دون سواه، وصولاً للدعوة للفصل بين هذا الحزب والدولة . وهي مطالبات صاخبة يشارك فيها قضاة ومحامون وفنانون وعمال ورجال أعمال وهيئات ومنتديات اجتماعية، عبر تعددية حقيقية وحراك فعلي قل نظيره، وإن كانت هذه الحركية كلها لم تؤد إلى انفراج داخلي مثمر يخفف الاحتقان، ويسمح بإطلاق عجلة الإصلاح بمشاركة الجميع في السلطة ولدى المعارضة كما لدى المستقلين، وهؤلاء كثر بل هم الأكثرية .
إن حرية التعبير ثمينة للغاية وليست مجرد وسيلة تنفيس كما يذهب البعض إلى ذلك، فهي تسهم في الارتقاء بالوعي السياسي والثقافي، وتكفل حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وتضمن تداول المعلومات والآراء وترسي أجواء من الحوار الضمني والمباشر مما لا غنى عنه في حياة سياسية عصرية، غير أن إعمال هذا الحق مع ما يشوبه من تضييقات هنا وهناك، لا بد أن يجد تتمته الطبيعية في تنظيم التفاعل بين الفاعلين السياسيين، والاعتراف بالمعارضة كشريك سياسي ومؤسسات وطنية لا مجرد منافس على السلطة، وتعزيز السلطة التشريعية والقضائية وضمان فصل كل منهما عن إدارة الدولة . ففي ذلك مصلحة للجميع وضمانة لتطور النظام السياسي بصورة موضوعية بغير خضات وانفعالات جماعية في الشارع، تؤدي إما لاضطراب حبل الأمن بفعل الانفلات الناجم عن الاحتقان، أو ممارسة استعراض القوة على نشاطات سلمية .
الحراك الصاخب الذي يكتنف العملية الانتخابية يدل على خلاصتين تكادان تكونان متعارضتين، ففي الخلاصة الأولى أن هذا الحراك هو أحد المظاهر المشرقة لحيوية المجتمع السياسي المصري والحياة العامة غير البكماء التي لا يسودها صوت واحد، وبرهان على أن حرية التعبير باتت جزءاً من نظام الحياة الفعلية والحقوق المكتسبة التي تزداد رسوخاً وأمراً واقعياً، وفي الخلاصة الثانية، أن هذا الصخب الشديد ما كان له أن يتسم بهذا القدر من التوتر والأبعاد الأمنية، لو كانت القنوات الدستورية للإصلاح سالكة، ولو كانت المؤسسات تجمع بين الاستقرار والقابلية للتطور من دون استعصاءات مزمنة تكاد تكون بنيوية .