ملاحظات لا بد من إثارتها

01:01 صباحا
قراءة 4 دقائق

لم يغير نشر ما نشر من وثائق ويكيليكس الكثير من المشهد السياسي والثقافي في العالم، فهبوط معنويات الرأي العام في غير مكان من العالم وجد له أسباباً جديدة لانخفاض الثقة بالساسة وعالم السياسة . نستذكر أن نحو نصف الناخبين لا يصوتون في انتخابات الدول الديمقراطية، هذا من دون احتساب الذين يقترعون بأوراق بيضاء .

وإذ يرى كثيرون أن نشر الأجزاء التي تم نشرها حتى الآن، يشكل واحداً من أهم أحداث العام الموشك على الانصراف، فإن هذا الحدث يثير في الوقت ذاته جملة من االملاحظات .

الملاحظة الأولى: أن ما انطوت عليه المعلومات المنشورة خضع لعدد قليل من مواقف النفي والتشكيك، وهناك نوع من الإقرار الضمني العام بصحة معظم ما ورد في المعلومات . مغزى ذلك أن التمويه ما زال يشكل الأداة الرئيسية في الأداء السياسي والدبلوماسي، وأن سائر الدعاوى التي تطلق للترويج للشفافية واحترام الإعلام الحر، لا تصدر عن سياسيين ديدنهم الصدق والأمانة، فقد تبين أن الأمر خلاف ذلك، وأن المطلوب من وسائل الإعلام هو مجاراة السياسيين في هجران الصدق واللجوء إلى التمويه على الوقائع .

الملاحظة الثانية: أن هذا الحدث بما انطوى عليه من دلالات يشكل درساً للطامحين في دخول عالم السياسة، مفاده أن العمل في هذا الميدان هو كالتجوال في غابة شاسعة حافلة بالكائنات والمخاطر، حيث غريزة البقاء والغلبة تتقدم على ما عداها وتسوغ كل شيء، وأن من يتمتع بحس أخلاقي مرهف يصعب عليه دخول هذا المعترك، حيث القيم الميكيافيلية ما زالت هي المتسيدة .

في الوقت ذاته ينطوي هذا الحدث على درس ثمين للإعلاميين، فمصادر الأخبار والمعلومات ناهيك بالتحليلات، لا بد أن تكون متعددة، وتعدديتها هي ضمان للحد الأدنى من صدقيتها . ولا وثوقية خارج تعددية المصادر، بعد ما كشفته الوثائق بأن الصدق هو للأسف الشديد، أكثر صعوبة من الكذب، وبعد ما تبين أن السياسة الفعلية كثيراً ما تجري خارج منطوق وإيحاءات التصريحات . والمفارقة أن الطرف الأكبر المستفيد من نشر الوثائق ليس هذا الطرف السياسي أو ذاك، بل بعض وسائل الإعلام الخاصة والمستقلة، وذلك لما تضمنته تلك الوثائق من مصدر غني للمعلومات، وهو ما أفادت منه وسائل إعلامية في الشرق والغرب، مع توافر مادة جاهزة، مجانية وجاذبة للمتلقين .

الملاحظة الثالثة: أنه خلافاً للمتوقع، فلم تنشأ، والغالب لن تنشأ سجالات واسعة بين الفرقاء السياسيين هنا وهناك، حول ما يرد في هذه الوثائق، فما تم نشره هو جزء من الوثائق لا جميعها، وأن أطرافاً عدة عُرضة لكشف سياساتها ومواقفها الفعلية وسلوكها، إذا ما تسنى نشر المزيد من الوثائق، والبادي أن هناك توافقاً ضمنياً ما عدا استثناءات محدودة، على عدم استخدام وثائق ويكيليكس في سجالات علنية وإعلامية، خشية أن يأتي الدور على آخرين .

الملاحظة الرابعة: أن الولايات المتحدة وهي الطرف المعني الأكبر لم تنف معظم ما ورد في الوثائق، إذ انصرف اهتمامها على معرفة مصادر تسريبها، وعلى التصدي للموقع الذي يذيعها . بهذا يتبين أن الدعوات لإعلام حر جديد يستخدم في الأساس فضاء الانترنت، تنقصها الجدية، أو أنها دعوات انتقائية تؤمن بالحجب والتكتم إيمانها بالشفافية والحرية، وذلك حسب كل حالة على حدة، ومدى المصلحة في التكتم أو الكشف، وأن الطريق إلى حرية الاعلام ما زالت طويلة، وتتطلب نضالاَ قضائياً وسياسياً، وانها شديدة الارتباط بعدالة النظام العالمي وهي عدالة مفقودة حتى الآن .

الملاحظة الخامسة: أن استهداف مؤسس الموقع ومديره جوليان اسانج، جاء مباشرة عقب نشر الوثائق . قد يكون الرجل متورطاً في مخالفات غير قانونية وقد لا يكون، غير أن توقيت استهدافه ووضع اسمه على قوائم الإنتربول بهذه السرعة، يثير تساؤلات جمة عن مدى سلامة بعض إجراءات النظام القضائي . فإذا كان الرجل متورطاً من قبل في تجاوزات، فلماذا تم السكوت عليه طيلة تلك الفترة؟ ولماذا تم نبش قضية أخلاقية، بدل الاستعانة باتهامات تتعلق بكشف معلومات سرية مثلاً؟ الأغلب أن محاكمة الرجل إذا تمت سوف تحمل قدراً من الإثارة بما تنطوي عليه من تحديات قانونية وسياسية، وكان الظن أن حالة كهذه تقع في دول العالم الثالث، لا في الدول التي قطعت شوطاً بعيداً في مضمار سيادة القانون وحرية تداول المعلومات .

الملاحظة السادسة: أن الجمهور العربي ما زال بانتظار الكشف عن وثائق حول الدولة الصهيونية، التي حاول بعض زعمائها الإفادة مما نشر حتى الآن، للإيحاء أن دولتهم مقبولة على نطاق عربي وإسلامي واسع . المعلومات المنتظرة هي حول أخلاقيات الحرب واستهداف المدنيين بصورة متعمدة، والاستعداد الدائم لشن اعتداءات جديدة، وحول المخططات التوسعية للسطو على المزيد من الأراضي العربية، والحلول التي يهجس بها الصهاينة ويسعون لتنفيذها بالتواطؤ مع دول أخرى لتصفية القضية الفلسطينية . لا ينتظر المرء وثائق حسب رغباته، لكنه ينتظر ببساطة أسراراً عن دولة امتهنت الكذب بما يتعلق بصراعها مع ضحاياها، وامتهنت الكذب في هذا المجال كصناعة، إلى جانب جرائم القتل والسرقة .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"