المناطق المحظورة وحرية البشر

01:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

في هذه الفترة التي تهدأ فيها الحرب الباردة بين المسارات المختلفة وتتفق الدول الكبرى على نزع الأسلحة التدميرية بعد المرحلة الشمولية الاستبدادية، فإن المرء لا يستطيع أن يتفهم أو يفهم في هذا الإطار الإيديولوجي والسياسي الذي تنطلق منه الفئة الظلامية لنسف المنطلقات الإنسانية لتظهر هذه الأنشطة من أجل حبك الدسائس والمؤامرات وخلق النزاعات والحروب المدمرة بين جميع الأمم .

فقد أورد تقرير لخدمة بحوث الكونغرس أن هناك العديد من المناطق في العالم التي يحظر زيارتها على المدنيين وتحاط أنشطتها وأعضاؤها بالسرية لانتهاكها القوانين الدولية وحقوق الآخرين ولممارستها لأنشطة وعمليات غير مشروعة، وذلك في سبيل تحقيق مكاسب لجماعة أو لشعب ما في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والعلمية وإلحاق الأذى والخسائر بالدول والشعوب الأخرى، من دون مراعاة للمبادىء والأعراف والقوانين الدولية أو الأخلاقية .

ويعد موقع شبكة إيشيلون في بريطانيا من أبرز المناطق المحظورة، فنظام إيشيلون أسسته الولايات المتحدة وبريطانيا عقب توقيع الاتفاقية الأمريكية البريطانية للأغراض الأمنية في عام 1947 كإحدى تدابير الحرب الباردة، وانضمت إليها في ما بعد بعض دول الكومنولث: (كندا، وأستراليا، ونيوزلندا) . وتوجد قواعد للشبكة في الدول الخمس وترتبط مباشرة مع مقر وكالة الأمن القومي الأمريكي في فورت ميد بولاية ماريلاند . وتطورت طاقات وشمولية هذا النظام على مدى العقود الماضية حيث بإمكانه تصفية وفلترة مليارات الاتصالات باستخدام برامج الذكاء الصناعي مهما كانت كلماتها المستخدمة وأشكالها، والتقاط ملايين المكالمات الهاتفية والفاكسات والرسائل الإلكترونية كل دقيقة .

وهذا ما أدى إلى تنامي المعارضة لمثل تلك الأنظمة التي تعمل من دون وجه حق في رصد الاتصالات الدولية والاستفادة من بياناتها ومعطياتها لأغراض متعددة، وتقف شعوب العالم وحكوماتهم عاجزين ومن دون حماية إزاء هذه الشبكات الهائلة التي تخترق خصوصياتهم وحقوقهم . فكثيراً ما تُنتقد الولايات المتحدة والدول الغربية الحليفة لها بشن حرب باردة جديدة وإنفاق مليارات الدولارات على أنظمة وشبكات دولية لرصد واعتراض ونقل البيانات في كافة أنحاء العالم، وكان من بين المنتقدين البرلمان الأوروبي فقد أوضح في تقرير له أن نظام إيشيلون ساعد الشركات الأمريكية في التفوق على الشركات الأوروبية والشركات اليابانية من خلال الوصول إلى أسرار تجارية وعلمية وتحقيق مكاسب اقتصادية والفوز بالعقود الأجنبية منذ تسعينيات القرن الماضي . وعلى سبيل المثال، ساعدت البيانات التي حصلت عليها شركة رايثون الأمريكية من نظام إيشيلون في التغلب على شركة تومسون سي إس إف الفرنسية في صفقة قيمتها 4،1 مليار دولار لتوريد نظام راداري إلى البرازيل .

بينما أنكرت الولايات المتحدة تمرير معلومات اقتصادية إلى الشركات الأمريكية، مشيرة إلى وجود قوانين تمنع ذلك . وتصر الدول الخمس على الاستمرار في استخدام تلك الشبكة وتطويرها لمواكبة التكنولوجيا الحديثة، وتعلل ذلك بحاجتها إلى رصد اتصالات عصابات الجريمة المنظمة ومراقبة تحركات الجماعات الإرهابية التي أصبحت تهدد الأمن العالمي . وساعد قانون مكافحة الإرهاب الذي أقره الكونغرس الأمريكي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تجهيز الولايات المتحدة بأدوات مناسبة للتصدي للإرهاب وتوسيع صلاحيات دوائر التحقيق وإضفاء الشرعية على مراقبة الإنترنت والاتصالات الهاتفية .

أما المنطقة 51، التي أُنتجت حولها أفلام وبرامج تلفزيونية تصور مخلوقات غريبة ومركبات فضائية تغزوها، ما هي إلا قاعدة عسكرية يحظر زيارتها وتقع في الجزء الجنوبي من ولاية نيفادا في غرب الولايات المتحدة، وفي وسطها يوجد مطار عسكري سري على جنوبي بحيرة جروم، وتعمل هذه المنطقة على دعم تطوير واختبار الطائرات التجريبية ونظم الأسلحة، وهي تابعة لمجال القوات الجوية الأمريكية قي قاعدة نيفادا للتجارب والتدريب . ولا تظهر المنطقة 51 على الخرائط العامة والخرائط الطبوغرافية الامريكية، ويُظهر مخطط الطيران المدني مساحة واسعة محظورة ويبدو مرفق جروم على هيئة منجم مهجور، ويُظهر الأطلس الوطني الأراضي الاتحادية في ولاية نيفادا من دون تمييز بين المنطقة 51 والأجزاء الأخرى المحيطة بها . وبعد صمت لعقود من الزمن، أفصح بعض الضباط والمهندسين السابقين في عام 2009 عن معلومات عن المنطقة 51، حيث نفوا ما يشاع عن قيام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بتخزين مخلوقات ومركبات مجهولة من كواكب أخرى فيها، مؤكدين أن تلك الأساطير كانت تحاك حتى تخفي الأنشطة العسكرية الحقيقة للمنطقة .

وبالنسبة للغرفة 39 المحظورة، فيعرف عنها القليل نظراً للسرية المحيطة بها، حيث تقع في داخل مبنى حزب العمال الحاكم في بيونغ يانغ بكوريا الشمالية، وتستخدم هذه الغرفة عدة حسابات بنكية في الصين وسويسرا لأغراض التزوير وغسيل الأموال وعمليات غير مشروعة مثل تهريب المخدرات ومبيعات الأسلحة السرية . وتعمل تحت اشرافها 120 شركة للتجارة الخارجية، وتدير الغرفة أرباحها من العملات الأجنبية من الفنادق العالمية العاملة في بيونغ يونغ ومناجم الزنك والذهب والصادرات الزراعية والسمكية، إن هناك 45 مليون دولار من العملات المزورة مصدرها كوريا الشمالية، وتجني سنوياً ما بين 500 مليون دولار إلى مليار دولار من النشاطات غير المشروعة في حين تنفي بيونغ يانغ قيامها بمثل تلك الأنشطة .

أما في الاتحاد السوفيتي السابق، فقد أنشئت بلدات ومدن مغلقة، يحظر زيارتها على الأجانب ولا يدخلها المواطنون السوفييت إلا بتصاريح أو يسمح لهم بدخولها حسب فئة الحظر، وذلك لما تحتويه من منشآت عسكرية وصناعية وعلمية كمصانع التسليح ومواقع البحوث النووية، كما كانت بعض المدن الحدودية محظورة لأسباب أمنية . لكن منذ نهاية الثمانينيات حدثت تغييرات رئيسية، حيث استمر الحظر على بيرم ولننينغراد ومدناً أخرى حتى ،1992 وبصدور الدستور الجديد للاتحاد الروسي في 1993 تغير مسمى تلك المدن إلى مناطق ادارية مهنية مغلقة، ويصل عددها إلى 42 مدينة، وتدير وزارة الدفاع الروسية 75 % منها، والبقية تديرها وكالة الطاقة الذرية الفيدرالية الروسية، بينما لا تزال هناك 15 مدينة محظورة إلا أن اسماءها ومواقعها لم تفصح عنها الحكومة الروسية .

أي عالم هذا الذي نعيش فيه وهو يقر الظلام والانتهاكات، أي عالم تتمفصل في شرايينه وتسري في دمائه الرغبات الشريرة العدوانية التي ترغب في اسالة الدماء وقتل الأبرياء، أي عالم هذا الذي يسحل فيه إنسانه بمجانية وسادية، أي عدالة هذه التي يتحدثون عنها، هذه التساؤلات المرة والرسالة واضحة عن المناطق المحظورة لكل من يعي ذلك البحر المظلم واللاعقلانية في الأخلاقية السياسية .

كاتب من الإمارات

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"