عالم الشريعة د. محمد ولد مولاي لـ “الخليج”: دول غرب إفريقيا تحتاج إلى دعاة مؤهلين

حوارات
13:03 مساء
قراءة 8 دقائق
الدكتور محمد ولد مولاي، شخصية علمية بارزة في موريتانيا، وهو عالم في الشريعة الإسلامية، وعضو هيئتي التدريس في كل من جامعة شنقيط العصرية، والمعهد العالي للدراسات الإسلامية، وللرجل الذي تولى الإفتاء في موريتانيا وخارجها، عدة بحوث مهمة في الشريعة الإسلامية، وهو ناشط دعوي ومؤسس لجامع الرضوان بنواكشوط، المعروف محليا بالمسجد الأحمر.. وفضلا عن هذه النشاطات يشرف ولد مولاي على محظرة للتعليم الأصلي.

ولا يحبذ الظهور الإعلامي، إلا أنه استجاب لدعوة الخليج حيث أجرت معه في مكتبته في جامع الرضوان، الحوار التالي:

* كيف ترون غياب الدعاة العرب في المشرق عن غرب إفريقيا؟

- أولا الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فريضة.. فريضة ليست محددة بزمان ولا مكان.. وكل ما كان هناك علم وكان هناك فقه لا بد أن ينشر في البلاد.

وسؤالك عن غياب، دعاة المشرق بالذات، عن الغرب الإسلامي مسألة في غاية الخطورة، وأقول لك إن الشناقطة مع الأسف منذ الأعوام السبعين الأخيرة غابوا عن هذه المنطقة من حيث النشاط الدعوي إلا ما قل، ولا أنسى أنني سنة 1994 كنت في ساحل العاج مع أحد الإخوة في مهمة علمية، وكنا وقتها في الجامع السعودي في أبيدجان، وقد زارنا زعيم المسلمين هناك عندما علم بوجودنا فقد ترك كل انشغالاته والتزاماته ليقوم بزيارتنا، وأذكر مما قاله لنا: أنتم الشناقطة تطالبوننا بدين كبير لأنكم أنتم من نشرتم الإسلام في كامل ربوع هذه المنطقة، ولكن مع الأسف انقطعتم عن هذا الدور وهو ما لا نقبل به، فالدعوة فريضة، والمفروض ألا تنقطع، ويلاحظ عدم اهتمام المشارقة بالغرب الإسلامي، مع أن الغرب الإسلامي الآن من أهم المناطق التي ينتشر فيها الإسلام، ونحن ندعو المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لأن ينتبهوا لهذه الرقعة المهمة، فهذه البلاد فيها شعوب كبيرة، وفيها استعداد شديد لتقبل الدعوة، وفيها محبة شديدة للإسلام، وهي مهمة من الناحية الاستراتيجية والناحية البشرية، والاهتمام بها اهتمام ببوابة من أكبر بوابات العالم، وفعلا هناك منافسة شديدة ولا تخفى على أحد، منافسة حضارية، ومنافسة دينية.. هناك منافسة من الغربيين، والثقافة الغربية هي المسيطرة على الإدارة في هذه المنطقة، ومسيطرة على ثقافة الجامعات، وعلى ثقافة المجتمع الراقي، ولكن هذا لم يمنع سكان هذه المنطقة من الاهتمام بالثقافة العربية الإسلامية.. وعليه ينبغي بل يجب على من له قدرة تزويد هذه المناطق بالدعوة إلى الله بكل الوسائل.

وسواء تعلق الأمر بالموريتانيين وعندهم ما يعطونه من علم وعندهم عدد كبير من الفقهاء والعلماء، والحكومات هناك مستعدة إذا نسقوا معها فيمكنهم سد الفراغ في الدعوة إلى الله. وكذلك المغاربة، ويتأكد الأمر على المشارقة لأن لديهم إمكانات أكبر، ونحن لا ننكر دور الأزهريين، فالأزهر له بعثات موجودة في السنغال وموجودة في مالي وكوديفوار وغينيا

قلب الحقائق

* هل نحن نتعرض لحرب صليبية؟

- الحروب الصليبية مفهوم سياسي، وقد بدأت بمعركة عسكرية تاريخية ضد المسلمين، وأصبحت تطلق مجازا على كل من يعادي الإسلام بقلمه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.. ودلالة تسميتها بالحرب الصليبية واضحة، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا.. وإذن من هذا القبيل فحركات التشهير وحركات الاستعمار هي حروب صليبية بمعنى من المعاني.. وهذه الحركات يصاحبها دائما قلب الحقائق لأنهم إذا قدموا الإسلام بصورته الحقيقية يكونون مساهمين في دخول الناس فيه، لكن لا بد أن يكذبوا ويشوهوا، فقد يلجأون لعادات بعض الشعوب، وقد تكون تلك العادات سيئة، وساذجة، وهي عادات لا تمت للإسلام بأي صلة ويلصقونها بالإسلام والإسلام بريء منها.. نحن مثلا إذا كان شعب معين تسود فيه ظاهرة غير حميدة كالكسل والتخلف مثلا.. هذا لا علاقة للإسلام به، ولو كان من يتسم بهذه الأوصاف مسلما ويصلي وله مساجد.. لكن تلك العادات لا علاقة للإسلام بها.

* ومعنى ذلك أن الحروب الصليبية لا تزال متواصلة سواء بالمدفع أو بالقلم؟

هم كونهم يتخطون الخطوط الحمراء ويمسون شخص الرسول فهذا دليل على أن الدعوة الإسلامية بلغت درجة متميزة تهددهم. فالدعوة تتجه إليهم، لأنهم كانوا يدعون بأنهم أناس حضاريون، ومن يقرأ للمستشرقين يقرأ كلاما لناس فيه نوع من الشفافية وفيه نوع من البحث عن الحقيقة ظاهريا.. هذا عندما تكون الأمور فيها مجال للمناورة، يقولون أشياء حقيقية فيها إنصاف ثم يدسون أشياء، لكن عندما يضيق عليهم يثورون وهذا هو الوجه القبيح.. وهذا ظاهر الآن.. أما المسلمون فيمجدون الجانب الخير من الحضارة الغربية، لأننا نحن المسلمين لا نقول إن الحضارة الغربية ليس فيها خير، بل نمجد الجانب الخير في حضارتهم، ونغض الطرف عن جانب الشر فيها وهو كثير وجوهري.. لأن الحضارة الإنسانية حضارة مشتركة، ولا نقول لحضارة معينة إنه ليس فيها خير.. والمسلمون في العصر الأول استفادوا من اليونان والرومان والهنود وكل الناس.. بالنسبة لنا نحن، النبي صلى الله عليه وسلم لبس خفين من صنع الكفار، ولبس قميصا مصنوعا بأياد كافرة، وعمر رضي الله عنه كان يستخدم عملات فيها صور الكفار... لأن الحضارة والصناعة ليست لأحد دون آخر، بل هي ملك بشري.. ثم إن الحضارة الغربية الحديثة قامت على أكتافنا نحن المسلمين، فنحن أخذناها من غيرنا وترجمناها وطورناها وابتكرنا فيها، وأوصلناها إليهم فأخذوها ثم تأخرنا نحن، ومن حقنا أن نستفيد من هذه الحضارة من طب وهندسة... إلخ.

* ما شروط الداعية اليوم.. وكيف تكون الدعوة اليوم؟

- الدعوة اليوم هي الدعوة بالأمس.. الجديد فيها أنه في كل زمن لا بد أن يكون الداعية مثقفا بثقافة زمانه، والداعية من الناحية العلمية لا بد أن يكون عالما بما يدعو إليه، وأن يكون قدوة، وأن يكون مؤمنا بما يدعو إليه.. يعني هناك مواصفات لا تتغير، ولكن هناك أموراً جديدة حسب الزمان والمكان، فكل بلد يحتاج لثقافة خاصة، كذلك لكل عصر أنت تحتاج فيه لثقافة العصر.. فالداعية الآن لا بد أن يكون يمتلك من العلم ما يدعو به، ولا نقول إن كل داعية لا بد أن يكون بحر علم، هذا شرط مستحيل، ولكن يشترط أن يعرف ما يدعو إليه، وأن يكون عنده من الثقافة ما يمنعه من أن يتكلم فيما لا يعرف، ثم إنه لا بد للمرء أن يصل إلى مرحلة معينة من اللباقة والقدرة على توصيل الخطاب حتى يكون داعية.. فهو قد يكون في نفسه طيبا لكنه لا يمتلك الحد الأدنى من الثقافة، والداعية نصب نفسه قدوة وأخطاؤه محسوبة وقد يخطئ خطأ كبيرا وهو لا يعرف أنه أخطأ.. معناه أنه لا بد من مقدار من العلم، قال تعالى قل هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

فالحد الأدنى من العلم لا بد منه، وكل عصر وكل مصر له ثقافته، فالداعية هنا في نواكشوط له ثقافته، والداعية في دكار له ثقافته مع قرب المسافة، لكن مع اختلاف الشعوب وعادات الشعوب لا بد للداعية من الاطلاع على تقاليدها.

* ما الذي يمنع توحيد رؤية الهلال؟-

- هذا سؤال كبير، وهو في ظاهره خفيف، ولكنه في جوهره كبير.. فهناك مجمعات فقهية عقدت اجتماعات متتالية في هذا الموضوع ولم تحسمه ويؤلمني أن القضية خرجت عن كونها فقهية.. وهذا لا ينبغي أن يكون، بل ينبغي أن تكون فقهية قبل أي شيء. وعليه فإن الخطوات الآن التي تبذل لتوحيد الرؤية خطوات مباركة، فأي طريقة توحد كلمة المسلمين طريقة صحيحة، وهذا هو مذهبنا.

* أصبح رمضان ظاهرة لافتة عند بعض الغربيين حتى أننا شاهدنا شبانا غربيين يصومون تقليدا للمسلمين حتى يستطلعوا هذه الظاهرة، وبعضهم أسلم على إثر ذلك. والبعض وصفها بالتجربة الجميلة، فرمضان كمدرسة لتنمية الروح والجسد.. كيف نقيمها؟

- إنه موضوع كبير.. رمضان هو شهر الصيام، شهر الإيمان، شهر القرآن.. شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ. وكما أشرت في سؤالك.. والسؤال فيه الجواب فإن رمضان مدرسة روحية.. مدرسة متميزة.. ركن من أركان الإسلام.. أما مسألة أن هناك أشخاصا جربوا صومه وأسلموا.. هذا لا يعني لي شيئا.. الإسلام هو الدين الصحيح.. هو الدين الخالد الذي لا يحتاج إلى إثباتات.. وهذه الحالات التي ذكرت يمكن أن تزيد بعض المؤمنين إيمانا، ولكن بعضهم لا تغير ما كان في نفسه.. هم لو أنصفوا ولو أرادوا خيرا بأنفسهم لأسلموا جميعا ولصاموا رمضان، ولقاموا رمضان، ولصلوا الصلوات الخمس، وحالاتهم التي ذكرت يمكن أن يستأنس بها وتفيد بعض الناس، ولكن بالنسبة لي لا تغير شيئا.

إعجاز القرآن الكريم

* تخصصكم هو تفسير القرآن الكريم.. التفسير الآن أصبح صعباً ولكن ما دوره في اكتشاف الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؟

- قلت إن التفسير صعب.. أنا لا أتفق معك على هذا الوصف، فالله سبحانه وتعالى يقول وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. التفسير هو أحسن العلوم وأجملها. ولكنه يحتاج إلى أدوات، كما أن غيره من العلوم يحتاج إلى أدوات.. فالتفسير هو أساس المعارف، يقول الإمام الزركشري في القرآن وكل علم مكتسب من القرآن وإلا فليس له برهان. معناه أن القرآن هو أساس المعارف. أما كون كل عصر يحتاج إلى علماء ومفسرين معاصرين، فهذا شيء معروف، لأن القرآن لا تنقطع عجائبه.. ففي كل عصر تأتي أجيال وتكتشف أشياء جديدة في القرآن الكريم، ولكن هذا لا يعني ما أشرت إليه من أن هناك ضرورة للتفسير الرمزي أو التفسير العلمي للقرآن.. فظاهرة تفسير القرآن بالعلم هي ظاهرة ليست محل اتفاق من العلماء وغير مقنعة... فالقرآن كتاب هداية بالدرجة الأولى وليس كتاب علوم هندسية وفيزياء وكيمياء، وإنما فيه إشارات لجميع المعارف، وهي إشارات وليست قواعد علمية أو نظريات علمية بذلك المفهوم.. فالقرآن هو كتاب هداية قال تعالي الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. فكلمة الهداية في القرآن وكلمة أنه نور وأنه شريعة.. هذه مسألة من الضروريات.. وهذه هي مهمته الرئيسية وهي هداية الناس.. هداية الناس للاعتقاد الصحيح، وإخبارهم بالغيب، إخبارهم بمستقبلهم، إخبارهم بما كان وما سيكون.. يدور القرآن حول هذه المعاني.. المعرفة بالله وبرسله وملائكته وبما يجب الإيمان به.. أي أنه دستور حياة.. أما قضية الأرقام.. رقم أربعة عشر..هذه مسائل العلماء يحتسبون أنها بدعة، الواحد يظل في نظرية علمية، ونظرية كذا.. ومن الذين فسروا القرآن بهذه الطريقة الطهطاوي المصري في القرن الماضي، ولديه كتاب وموقف العلماء منه واضح فلم يأخذوه بالاعتبار وما قبلوه، مع أن بعض الأشياء التي وردت فيه ربما تكون صحيحة.. ولكنهم جملة لم يرتضوا تلك المحاولة بتلك الطريقة.. فالقرآن كتاب هداية، كتاب فيه حل مشاكل المجتمع، فيه توجيهات للمجتمع.. والتفسير العلمي للقرآن باختصار غير صحيح.

* الآن نعاني عدم التكافل الاجتماعي، هناك عقوق الوالدين، هناك ارتفاع نسب الطلاق.. هناك وضع اجتماعي مفكك.. كيف يتكاتف المسلمون اجتماعيا؟

- التكافل الاجتماعي قمته المسلمون أصلا، وهذا ما يجب أن يكون، ولكن إذا اختل النظام في جانب من جوانب الحياة اختل في جميعها.. المسلمون الآن فعلا يعانون بعض الهزات الاجتماعية، التي أضرت بتكافلهم الاجتماعي، وهناك ظاهرة عقوق الوالدين أو سمه ضياع الأسر، بما فيه العقوق وإهمال الأولاد وغير ذلك.. المفروض الآن أن كل مسلم يبذل جهده في إعادة الأمور إلى نصابها.. إلى التعاون الاجتماعي، إلى التقليل من نسب الطلاق، إلى جعل الأسر تتكاتف. والإسلام صريح في هذا، وهو أحسن نظام يمكن أن يطبق سواء تعلق الأمر بالتكافل الاجتماعي أو التماسك الأسري.. تعاون الأسرة.. حسن المعاشرة.. النفقة على الأولاد وتربيتهم تربية صالحة، النفقة على الوالدين ورعايتهم،.. إلخ.. هي كما تفضلت جزء من أمراضنا الاجتماعية الكثيرة.. التفكك الأسري وظاهرة تسرب الأولاد من المدارس، وجنوحهم للانحراف.. هذا جزء من سلوك آبائهم.. هذا نقص في دور مدرسة الأسرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"