دوبلاج الأفلام

ضوء
02:35 صباحا
قراءة 3 دقائق

منذ أن اكتشف أباطرة سوق توزيع الأفلام ضرورته الملحة لفوائده الترويجية، بات دوبلاج الأفلام إلى اللغة الوطنية تقليدا راسخا في العروض السينمائية في معظم دول العالم القادرة عليه تقنياً ومالياً، حيث إن إيجابياته، من الناحية الاقتصادية، تغطي على سلبياته، من الناحية الفنية الجمالية والتعبيرية.

تحويل الصوت في الفيلم من لغة إلى لغة أخرى، أي الدوبلاج، مجرد وسيلة لتسهيل وصول كلام الممثلين إلى عامة الناس ممن لا يعرفون اللغة الأصل، بما ييسر لهم متابعة الحكاية والتركيز على الصورة المعروضة على الشاشة بدلا من تكبد عناء تنقل البصر بين الصورة وبين الحوار المطبوع أسفل الشاشة.

كما أن للدوبلاج فائدة نفسية مرتبطة بخاصية استقبال الفيلم السينمائي من قبل الناس. فمثلا، يستقبل الفيلم الفرنسي بشكل أفضل فيما لو كان مدبلجا للغة الإنجليزية في البلدان الإفريقية التي اعتاد أهلها على وقع اللغة الإنجليزية.

وقد برزت أهمية وضرورة الدوبلاج منذ أن تم اختراع الصوت في السينما وظهر الفيلم الناطق إلى الوجود. في السنوات الأولى لاختراع الصوت كان الدوبلاج في السينما يقتصر على تسجيل أصوات الممثلين وهم يؤدون الحوار الذي لم يكن متاحا تسجيله مباشرة لحظة التصوير نتيجة صعوبات تقنية يصعب تجاوزها، فالدوبلاج في ذلك الوقت كان حلاً تقنياً لا يمكن تجاوزه. وكان هناك عاملان رئيسيان فرضا حتمية الدوبلاج. الأول يتعلق بنوعية آلات التصوير السينمائية في ذلك الوقت بمحركها ذي الصوت العالي الذي كان يغطي على أصوات الممثلين ولا يتيح إمكانية التسجيل الصافي من خلال مسجلات للصوت التي لم تكن متطورة، بدورها، كفاية. والثاني، وهو من الطرائف المرتبطة بتاريخ السينما وتطور صناعة الفيلم، نتج عن اكتشاف أن العديد من نجوم السينما الصامتة من ذوي الجماهيرية الكبيرة، كانت أصواتهم غير صالحة، فكان لا بد من إيجاد بديل لأصواتهم بحيث تبقى صورتهم مقبولة لجماهير المعجبين بهم. وقد كان هذا الجانب الثاني موضوعا للتندر في العديد من الأفلام السينمائية، ومنها الفيلم الكلاسيكي الشهير الرقص تحت المطر الذي يفضح أزمة ممثل نجم يؤدي دور الرجل المقدام وتبين بعد اختراع الصوت أنه ذو صوت انثوي.

هذا الحل التقني الإلزامي صاحبته إشكاليات فنية تعبيرية، انقسم فنانو السينما حول الموقف منها. ففي حين اعتبر فنانو السينما المخرجين أن الدوبلاج يجعل الممثل يفقد الإحساس الصادق بالحوار الذي يلقيه لأن الإلقاء في هذه الحالة يتم بمعزل عن الفعل ولأن جزءاً كبيراً من اهتمام الممثل أثناء الدوبلاج يتوجه نحو مطابقة الصوت مع حركات الشفاه على الشاشة وهي عملية دقيقة مجهدة وصعبة، فيما وقف مخرجون آخرون ضد هذا الرأي معتبرين أن الدوبلاج كمجهود مستقل، يتيح لهم إمكانية لا تتاح أثناء تصوير العمل مع الممثلين من أجل الوصول إلى أفضل أداء ممكن للحوار.

وكان المخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيلليني من أصحاب الموقف المؤيد للدوبلاج حيث أنه صرح في أكثر من مقابلة أجريت معه أنه يفضل الاعتماد على الدوبلاج لتسجيل الحوار وليس على تسجيل الحوار أثناء التصوير مباشرة.

ولكن، إذا كانت مشكلة دوبلاج الممثل لصوته الخاص تتعلق بشكل أساس بقضية الإحساس والتعبير الصادق عنه، فإن مشكلة الدوبلاج من لغة إلى أخرى ترتبط بنواح عديدة أكثر تعقيداً. تبدأ المشكلة أساساً من لحظة الترجمة اللغوية حيث يمكن القول أنه ينطبق على ترجمة حوار الفيلم ما ينطبق على ترجمة الشعر من حيث الصعوبة التي تواجه عملية الترجمة والتي تعتبر بمثابة خيانة للنص الأصلي. كما أن ترجمة الحوار السينمائي تجد نفسها أمام إشكالية صوتية نطقية ترتبط بمدى تجانس الحروف ونطقها وطبيعة التركيب القواعدي للجملة ما بين الترجمة والأصل. فمن الأسهل مثلا، من ناحية التطابق الصوتي الترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية بسبب من الجذر اللاتيني الواحد للغتين مقابل صعوبة الترجمة من الإنجليزية إلى اليابانية. وتنطبق نفس الملاحظة على تركيب القواعد اللغوية. فترجمة الحوار السينمائي لا تتم بهدف القراءة، بل السماع.

احتاجت السينما العالمية إلى خبرات كبيرة في مجال الدوبلاج كي تتوصل إلى أفضل النتائج الممكنة. وفي أساس هذه الخبرات وجود خبراء مختصين في ترجمة الحوار السينمائي لا من حيث المعنى فقط، بل من حيث التركيب الصوتي للغة والأخذ بعين الاعتبار لكافة الإشكاليات الفنية والتقنية المتعلقة بالترجمة وبخاصة من حيث تطابق الأصوات. ناهيك عن الاستفادة من الخبرات التي اكتسبها الممثلون في هذا المجال والذين أصبح بعضهم مبدعين فيه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"