د. عبدالهادي التازي: ما قاله بن جلون عن العربية ليس له قيمة

ينصح من يتعاطى السياسة بأن يكون على دراية بالثقافة
06:38 صباحا
قراءة 6 دقائق

يعد د. عبدالهادي التازي من المفكرين الذين يمثلون ضمائر أمتهم، والحاضنين لفضائل هذه الأمة وهمومها، فهو كاتب ومثقف موسوعي وعضو المجامع اللغوية العربية في بغداد والقاهرة ودمشق والعاصمة الأردنية عمان.

أصدر د. التازي أكثر من خمسين كتابا مطبوعا منها: رحلة ابن بطوطة، طه حسين في المغرب، المرأة في تاريخ الغرب الإسلامي، التعليم في الدول العربية، التاريخ الدبلوماسي للمغرب، أعراس فاس، وغيرها. هنا حوار معه:

أنت كاتب متعدد الاهتمامات ماذا عن الروافد التي شكّلت هذا الوعي المبكر لديك؟

- هذه الرحلة الطويلة التي قضيتها في حياتي طالما أقف لأستعرض ما مضى منها وكيف كانت حتى وصلت إلى هذه السن التي يقارب التسعين إن لم أتجاوزها، والإنسان يمر بمراحل في حياته، تلك المراحل التي تطبعه وتكونه، ما يفسر قول علماء الاجتماع أن المرء وليد بيئته، وأنا نشأت بين أسرة متعلمة ومتطلعة إلى تكوين أبنائها تكوينا دينيا محافظا يهتم بالحفاظ على الهوية المغربية، هذه العقيدة التي تتمثل في العقيدة واللغة العربية، فالإنسان من دون عقيدة إنسان بدائي، والإنسان من دون لغة كائن وحشي، والتحقت بالمدارس الوطنية والحرة التي تكونت فيها إلى أن انخرطت والتحقت بجامعة القرويين في مدينة فاس عام ،1934 وكانت هذه الجامعة تعتمد في دراستها أولا وأخيرا على الدين والقواعد العربية والتشبث بالمبادئ الوطنية والقومية.

دخلت السجن في مرحلة مبكرة من حياتك، ماذا علمتك تجربة السجن؟

- دخلت السجن وأنا في الرابعة عشرة من عمري إبان الاحتلال الفرنسي، وفي السجن تعلمت الكثير من المبادئ واكتسبت العديد من الفضائل مثل الاعتماد على النفس والصبر والتحمل والإصرار على المطالبة بالحقوق الوطنية من الاستعمار الفرنسي، وأنت تعرف المثل الفرنسي الذي يقول: السجن والعسكرية يكونان الرجل وأخذت طريقي في القرويين ولم يكن هذا السجن هو الأول والأخير، ولكن سجنت أيضا عام 1938 وسجنت عام 1944 عندما قدم المغرب وثيقة المطالبة بالاستقلال.

وتخرجت في القرويين كعالم بدرجة متفوق جدا، وهنا دخلت مرحلة أخرى من مراحل حياتي عندما أصبحت أستاذا بهذه الجامعة التي تعتبر الجامعة الأولى في المغرب والتي لولاها لما كان المغرب مسلماً ولا عربياً، وقد شكلت لي هذه الجامعة قاعدة أتكئ عليها في تربيتي وتكويني.

طالما أنك شديد الاعتزاز بلغتك العربية لماذا تعلمت الفرنسية؟

- تعلمت اللغة الفرنسية لأن اللغة الواحدة في هذه الحياة لا يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى حياة طيبة، وأنا أؤمن بمقولة الفيلسوف الألماني جوته الذي يقول: من لم يعرف من اللغات إلا لغته فقد جهل حتى لغته لأن لغتك لا يمكن أن تنمو وتتسع إلا إذا كنت قادرا على مقارنتها باللغات الأخرى.

ماذا عن رحلتك العلمية إلى مصر؟

- بعد حصولي على شهادة القرويين العليا طمحت للحصول على درجة الدكتوراه، ومن هنا كان الذهاب إلى مصر وكان لي شرف الاتصال بكوكبة من علماء مصر الذين زاروا المغرب بعد استرجاع الاستقلال عام ،1956 ومن أبرزهم الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، والدكتور جمال الدين الشيال، والدكتور أحمد مختار العبادي، وهؤلاء حملوني على أن أستفيد من الجامعة العصرية وبالفعل أردت أن أستزيد من العلم وسجلت في جامعة الإسكندرية ومنها حصلت على الدكتوراه.

اليقظة

لك كتاب بعنوان طه حسين في المغرب ماذا تعلمت من عميد الأدب العربي؟

- لقد تعلمت منه الكثير، فقد حاضرنا كثيرا في الرباط وفاس والدار البيضاء، وكانت المحاضرات كلها تصب على إيقاظ وعي المغاربة بماضيهم وتعظيمه في نواحيه الثقافية والسياسية والاجتماعية، ومن حسن حظي أنني رافقت الدكتور طه حسين طوال مدة إقامته في المغرب، وكان مثالا حيا على المفكر الذي سبق عصره وتحدى إعاقته وحقق ما لم يحققه المبصرون.

حدثنا عن تجربتك في العمل السياسي.

- كنت سفيرا لبلادي في عدد من البلدان العربية ومنها بغداد التي عملت بها سفيرا مرتين، وكنت في الوقت نفسه مكلفا وقائما بأعمال السفارة في أبوظبي، وكنت أول سفير مغربي لدى إمارة أبوظبي، وكنت أول من حمل رسالة من الملك الحسن الثاني إلى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عليه رحمة الله، وكانت دعوة من الملك الحسن الثاني إلى أخيه الشيخ زايد لزيارة المغرب، وقد لمست من خلال اتصالي بالشيخ زايد رحمة الله عليه أن هناك تجاوباً خاصاً وحميماً بينه وبين أخيه الملك الحسن، وهو الأمر الذي يفسره قيام الشيخ زايد بتلبية الدعوة وزيارة المغرب في الأسبوع نفسه 1971.

وبالمناسبة جريدة الخليج هي التي حملت صورتي في ذلك التاريخ، وأنا أقدم الدعوة إلى الشيخ زايد رحمة الله عليه، وهي جريدة لا أزال أذكر أنها كانت تخرج في أربع صفحات فقط، وكان معنا في الصورة الشيخ حامد وزير الإعلام والثقافة عليه رحمة الله، ولا أزال أذكر بالخير الأستاذ تريم عمران فقد كان رجلا دمث الأخلاق عليه رحمة الله.

ثم عملت سفيرا لبلادي في ليبيا وإيران، كما أنني انتسبت إلى عدد من المجامع اللغوية العربية وفي مقدمتها مجمع بغداد والقاهرة ودمشق والأرجنتين.

هل هناك مجمع للغة العربية في الأرجنتين؟

الأرجنتين بها مركز يهتم فقط بالدراسات العربية والإسلامية، لأن الجاليات الموجودة هناك رحلت من إسبانيا موطن الأندلسيين، وكما تعلم ثقافتهم عربية، وكان لزاما على من يقيم في الأرجنتين أن تكون له صلة باللغة العربية والدراسات الإسلامية، وحضرت بعض المؤتمرات هناك والتي كرمتني وأصبحت عضوا في المعهد الخاص بالدراسات الإسلامية والعربية في الأرجنتين.

كذلك أنا عضو في مركز الدراسات العربية في إيطاليا، وأذكر صديقي المستشرق الإيطالي تللينو الذي كان يعيش في مصر.

وكل هذه الفضاءات ظهرت نتائجها من خلال تأليفي ما يزيد على خمسين مؤلفا مطبوعا، وأشكر الله على أن هداني إلى الطريق الصحيح، وهناك بعض الكتب يصل عدد مجلداتها إلى خمسة عشر مجلدا وبعضها يصل إلى خمسة مجلدات والبعض الآخر إلى ثلاثة مجلدات، وطوال رحلتي لم أنقطع أبدا عن الكلية أو المدرسة لأني أشعر بسعادة غامرة عندما أكون في صحبة الكتاب.

الملاحظ أن السياسة والثقافة على طرفي نقيض فكيف استطعت الجمع بينهما؟

- غير صحيح فكلاهما يكمل الآخر، فابن خلدون كان وزيرا وعالما، وابن عربي كان سفيرا وعالما، وابن زهر كان طبيبا وسياسيا، وابن التلميذ أبرز أطباء بغداد كان سياسيا وطبيبا.

فلا يوجد تعارض بين السياسي والمثقف، فالسياسي الناجح هو الذي يكون على قدر كبير من الثقافة، والمثقف لا يكون مثقفا بمعنى الكلمة إلا إذا كان خبيرا بدروب ودهاليز السياسة، وأنصح كل من يتعاطى السياسة بأن يكون على دراية بالحياة الثقافية.

حققت رحلة ابن بطوطة في خمسة مجلدات ضخمة، ما الجديد الذي كشفته عن ابن بطوطة؟

- يعتبر ابن بطوطة تحفة دولية رائعة، ولو كانت هذه التحفة ملكا لأمريكا لأعطت اسمه لكل المطارات في الدنيا، وقد ترجم أحد علماء اللغة العربية في الصين رحلة ابن بطوطة إلى اللغة الصينية في مجلد ضخم يتعدى الألف صفحة من القطع الكبير، لأن الصينيين يعرفونه جيدا، وقد حضرت أكثر من عشرين ندوة عن ابن بطوطة، وقد اعتمدت في تأليف رحلة ابن بطوطة على ثلاثين مخطوطة، وقد اكتشفت بعض الأخطاء التي وقعت من قبل العالم الذي سجل رحلة الشيخ ابن بطوطة، حيث أخطأ في ترتيب الزيارة.

ابن بطوطة يفوق كثيرا الرحالة الإيطالي ماركو بولو ويكفي أن تعرف أن رحلة ابن بطوطة تعد حجة تاريخية رفيعة، فمثلا عندما يقول ابن بطوطة لقد أسلمت جزر المالديف بسبب رحالة مغربي يسمى أبا البركات البربري، هذه المعلومات اختص بها ابن بطوطة وأرى فيها أن أبا البركات المغربي كان هو السبب في دخول هذه الجزيرة الإسلام.

وأريد أن أقول إن كل البلدان التي تكتب تاريخها اليوم لابد أن ترجع إلى ابن بطوطة في ما كتبه عنها، فمثلا دول الخليج لا يمكن أن تكتب تاريخها من دون الرجوع لابن بطوطة في العصر الوسيط، وكذلك بريطانيا لا يمكن أن تسجل تاريخ جبل طارق من دون الرجوع لابن بطوطة وهكذا.

هل فشل التعريب في المغرب؟

- التعريب لم يفشل في المغرب بدليل أن هناك آلاف المدارس والجامعات تعتمد اللغة العربية كلغة أولى في مدارسها، وأنا لا أمضي أي وثيقة إلا إذا كانت باللغة العربية، ولكن الذي فشل هو أن الكتب المدرسية في ما يتصل بالعلوم تحتاج إلى التطوير والمزيد من البحوث.

كيف ترى الصراع بين العربية والفرنسية والأمازيغية في المغرب؟

- ليس صراعا بل هو تكامل وأذكر هنا بمقولة الألماني جوته، ونحن في عصر العولمة نسمي الشخص الذي لا يعرف إلا لغة واحدة شخصاً أمياً، فاللغات تتكامل في ما بينها وأنا شخصيا أتقن العربية والفرنسية والإنجليزية، ولو استطعت تعلم المزيد من اللغات لفعلت بما في ذلك اللغة الأمازيغية. وأجد نفسي مقصرا في هذا الجانب وأبنائي حاليا يتعلمون هذه اللغة.

الكاتب المغربي الطاهر بن جلون وصف اللغة العربية بأنها لغة مقدسة لا تصلح إلا في دور العبادة فقط ولا تساير تطور اللغة ما رأيك؟

- أنا لا أرد على أي شخص جاهل بمكانة اللغة العربية، وهذا القول لا يستحق الالتفات إليه لأنه ليس له قيمة.

كيف ترى إشكالية التنافس بين الثقافة المغاربية والثقافة المشرقية؟

- هناك تنافس شريف بين الإنتاج الثقافي المغاربي والإنتاج المشرقي، الملاحظ أن المثقفين المغاربة يعرفون كل شيء عن إخوانهم المشارقة الذين لا يتوفرون على الكتب في المغرب، في حين أن المشارقة لا يعرفون شيئا عن إخوانهم في المغرب العربي، ولو حدث هذا التعاون سيسهم ذلك في ازدهار الثقافة العربية ويضعها في مكانتها اللائقة بين الأمم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"