أهلك الله بقدرته تعالى فرعون وجنوده، واستقر بنو إسرائيل بمصر حتى جاءهم أمر الله بالمسير إلى أريحا والجهاد فيها إعلاء لكلمة التوحيد، واستجاب موسى عليه السلام لأمر ربه وأخذ من قومه اثني عشر نقيبا (أي اثني عشر كبيرا من كبرائهم) يمثلون اثنتي عشرة قبيلة.. وسار بهم موسى، فلما دنا من أرض كنعان بدا الخوف والرعب على بني إسرائيل ورفضوا الدخول، ونقضوا عهدهم مع ربهم، فلعنهم الله وغضب عليهم، لقد فرق الله تعالى بني اسرائيل فجعلهم اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولدا من أبناء يعقوب عليه السلام لكي لا يتحاسدوا ولا يتنازعوا فيما بينهم، جعل الله منهم اثني عشر نقيبا من كبارهم، وفجر لهم اثنتي عشرة عينا تتدفق منها المياه العذبة الحلوه لتنساب تحت أقدامهم ليقطع دابر التنازع والاختلاف بينهم.
إفساد في الأرض
قال تعالى: وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم، فأثناء التيه الذي غرق فيه اليهود طلبوا من موسى السُقيا فسأل ربه بأن يعطيهم، فأمره تعالى أن يضرب بعصاه الحجر فانفجرت بإذن الله من أسفل الضربة اثنتا عشرة عينا من الماء بعدد الأسباط وقبائلهم، فكانت واحدة من النعم الكثيرة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ومنها توارثوا الزعم بأنهم شعب الله المختار واغفلوا أنهم كفروا بأنعم الله بعد أن منحها لهم واعملوا القتل والتكذيب في الأنبياء والمرسلين، وجحدوا الأنعم والمعجزات وأعرضوا عن منهاج الحق.
وبدأت رحلة الإفساد في الأرض ولم تنته حيث أوضحها قوله تعالى: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين، والبعض يرى أن المقصود بالأمر إفسادهم في القدس وتدنيسهم لها.. وللعلماء في هذه النقطة أقوال كثيرة فمنهم من قال بأن الفساد الأول هو قتل نبي الله زكريا، أما الثاني فهو قتل النبي يحيى عليه السلام، وهو رأي يميل إليه ابن عباس رضي الله عنهما، إلا أن الثابت هو أن الله تعالى توعدهم بعد كل إفساد لهم في الأرض بأن يرسل إليهم من يقتلهم ويمزقهم ويشتتهم في الأرض ويهدم مقومات وجودهم ويقضي عليهم ويدخل القدس وقال بعض المفسرين تسلط عليهم في الأولى بختنصر وفي الثانية مجوس الفرس وأعملا فيهم القتل والتشريد في الحالين..!
ويؤكد بعض الشراح والعلماء أن الوعد لم ينته بل أنه مستمر مع كل إفساد لليهود في الأرض وإلى يوم القيامة، وقريبا سيرسل الله من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وطغيانهم وسفكهم للدماء مصداقا لقوله تعالى: وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، أي أن الوعد حق.. والوعيد قادم.. يرونه بعيدا ونراه قريبا بإذن الله.
مجمع البحرين
ويقف حاخامات اليهود كثيراً أمام خبر موسى عليه السلام عندما أمره الله أن يذهب إلى مجمع البحرين ليلتقي بالخضر (العبد الصالح) ومجمع البحرين هو مركز لقائهما، وقد قيل إنهما بحر فارس والروم، وقيل إنهما بحر الأردن والبحر الأحمر وسط محيطنا العربى، وذهب آخرون بعيدا وقالوا: إن مجمع البحرين عند طنجة ونميل لأحد الأمرين الأول أو الثاني، إلا أنه لم يرد دليل قاطع في القرآن والسنة على تعيين موضع البحرين، إلا أن التفاصيل التي حدثت في الرحلة وأوردها القرآن تقربنا من التصور الأمثل.
سار موسى عليه السلام مع الخضر وركبا السفينة فخرقها العبد الصالح، ثم نزلا إلى البر فقتل الغلام، ثم دخلا إحدى قرى الروم وقيل هي أيلة أو ربما انطاكية وقد اشتهر أهلها بالبخل، وعندما طلب منهم موسى والخضر طعاما أبوا أن يعطوهما شيئا، وأثناء سيرهما وجدا جدارا على وشك السقوط، فأتاه الخضر فأقامه وأعاد بناءه وأصلحه، فكان الجدار لغلامين يتيمين وكان تحته كنز من الذهب خاص بالغلامين، وكان أبو الغلامين صالحا، وأراد أن يوفر لهما من بعده ما يعينهما على الحياة، وكان صلاح الأب سببا لرعاية ولديه من بعده خاصة أن قيام الخضر بإصلاح الجدار كان بأمر من الله تعالى ورحمة بالغلامين اليتيمين.