حاجب محكمة الأسرة أخذ ينادي على شيماء عدة مرات لدرجة شدت انتباه الحاضرين فانتظروا ظهورها لتخرج من وسط الزحام امرأة في غاية الحسن والجمال تبدو صغيرة في السن، فتعجب الجميع من سبب وجودها بالمحكمة، وقفت شيماء أمام القاضي تتكلم بصوت مخنوق ودموع غزيرة لتطلب الطلاق وتصر عليه وأنها لا تريد شيئاً سوى الطلاق وكل ما تريده أن تنجو بحياتها من زوجها، واصلت الزوجة كلامها بعد أن هدأت قليلاً وأكدت أنها تحب زوجها وأنه هو الآخر يحبها بنفس القدر وقد يكون أكثر، كما أنه رجل طيب القلب لم يرفض لها طلباً وعطوف عليها ومع ذلك أصرت على مطلبها وهو الطلاق، بسؤالها عن أسباب طلبها الطلاق من زوجها قالت إنها بعد تخرجها في الجامعة لم يكن لها أي علاقة مع أي أحد من زملائها فهي غير مقتنعة بالعلاقة بين الأعمار المتقاربة، لذلك انتظرت العمل والزوج المناسب لها حتى أخبرتها والدتها بان إحدى معارفهم لديها عريس يود أن يراها وعلمت أن العريس عادل يعمل مهندساً بشركة كبرى ومرتبه كبير فوافقت على رؤيته، وكان القبول من أول لحظة من الطرفين فقد شعرت وقتها بأنها أمام رجل قادر على تحمل المسؤولية يتمتع بلباقة عالية ومثقف وعلى خلق عظيم إلى جانب وسامته، لكن عيبه الوحيد والذي لم تشعر به بأنه كان متزوجاً وزوجته توفيت وليس له أولاد، لم تبال بهذا الأمر ووافقت على الزواج وخلال فترة الخطبة وإعداد الشقة التي لم تزد على ثلاثة أشهر شعرت بالراحة تجاه خطيبها فهو عطوف عليها كريم معها والهدايا يقدمها لها بمناسبة وبغير مناسبة، حتى تم الزواج وانتقلت لتقيم في شقة الزوجية ومنذ اليوم الأول لزواجهما لاحظت نظرات غريبة من بعض المهنئات من قريبات عادل، لكنها لم تهتم واعتقدت أنها نظرات غيرة لأنها فازت به لكن ما جعلها تنتبه وتعيد حساباتها من جديد هي نظرات الإشفاق وبعض الكلمات التي خرجت من جاراتها وهن يدعون لها بتثبيت أقدامها، الكلمات ظلت ترن في أذنيها وصممت على معرفة الحقيقة وراء ما سمعته وكانت المفاجأة عندما أخبرتها جارتها في الشقة المقابلة بأنها الزوجة الرابعة التي يتزوجها «عادل» وأنه على الرغم من طيبته رجل نحس وشؤم على كل من يتزوجها فالزوجات الثلاث السابقات كلهن توفين بعد حملهن مباشرة وأنها تخشى أن يصيبها ما أصابهن. شعرت «شيماء» بالخديعة وبأن معاملة زوجها الطيبة معها وكرمه الذي بلا حدود بالتأكيد يرجع لهذا السبب وليس حباً بها كما يدعي، وليت الأمر انتهى عند إحساسها بأنها وقعت فريسة لصياد يجيد أساليب الخداع لدرجة أنه أقنع أسرتها بأكملها به، لكن الأسوأ أنه تملكها الخوف و الفزع من زوجها وبدأت تنفر منه فكلما اقترب منها ابتعدت عنه خشية أن يقع المحظور وتدخل دائرة الخطر وتحمل منه وبالتأكيد ستموت وتلحق بزوجاته السابقات حسب ظنها. لاحظ «عادل» التغير الذي طرأ على زوجته فبعد أن كانت الزوجة الحبيبة التي تسعى لإسعاده بأية طريقة وتنتظر عودته بلهفة وشغف أصبحت زوجة متمردة رافضة وجوده في حياتها تتهرب منه وكأنها أجبرت على الزواج منه، وعندما سألها عن سبب تغيرها أخبرته بما سمعته وبأنه قد غشها، فهو لم يتزوج واحدة فقط قبلها وإنما ثلاثاً كما أنه نحس على النساء، لذلك طلبت منه الطلاق لكنه رفض مطلبها وحاول أن يؤكد لها أنها مخطئة وان كل هذه أوهام وأن ما حدث وليد المصادفة وإرادة من الله ولا ذنب له فيه، لكنها لم تسمع كلمة واحدة من كلامه فقد صمت أذنيها ولم تعد قادرة على الاستمرار، وقررت الحصول على الطلاق سواء وافق أم رفض وتوجهت إلى منزل أسرتها لكنها فوجئت بوالدها يوبخها ويعيد عليها كلام زوجها وكأنهما متفقان عليه، وأن هذه مجرد شائعات ليس لها أي أساس من الصحة وأن زوجها تتمناه كل الفتيات وأن ما سمعته ورأته ليس إلا حسداً من النساء على النعمة التي وهبها الله إياها بزوج مثالي مثل زوجها، لكنها لم تقتنع بكل هذه المبررات فقد اقتنعت بأن زوجها نحس وبدأت تخشاه وتتحاشى النظر إليه وعندما يئست من التعايش معه وقبوله كزوج لها قررت أن تنهى هذا الزواج بطلبها الطلاق عن طريق المحكمة بعد أن رفض «عادل» تطليقها. أنهت «شيماء» حكايتها وأكدت أنها لا تريد أن تموت بل تريد أن تعيش وأن تنجب وتربي أطفالاً وأن تعيش حياة هادئة خالية من الخوف والقلق إلى جانب أن زوجها أصبح في نظر الجميع نذير شؤم لمن يتزوجها كما أن نظرات العارفين بحقيقته تكاد تقتلها.
جاء الدور على الزوج ليتكلم ويدافع عن موقفه فبدا في حالة يرثى لها.. إنسان حطمه القدر مرات عدة بموت زوجاته والآن الناس يكملون عليه ويفسدون عليه زواجه لكنه تحدث بقوة إيمانه، مؤكداً إيمانه بالقضاء والقدر وبأنه بعد زواجه من «شيماء» شعر بأن الله كافأه على صبره، وأضاف أن السبب الذي طلبت زوجته الطلاق ليس له ذنب فيه فهو يتقي الله في زوجاته وكان يعاملهن معاملة طيبة وأن وفاة زوجاته الثلاث السابقات ما هو إلا قدرهن وعمرهن، وأعلن عن تمسكه بزوجته حباً فيها ورغبة في تكوين أسرة، وأقر أمام هيئة المحكمة بأنه إذا كان أمر إنجاب زوجته هو الذي سيجعلها تطلب الطلاق فهو مستعد للتخلي عن فكرة الإنجاب بصفة نهائية، فالمهم أن يحتفظ بزوجته التي أحبها منذ أول يوم رآها فيه وهو غير قادر على التخلي عنها لأي سبب حتى ولو كان لإنجاب طفل. أصدرت المحكمة حكمها برفض دعوى الطلاق التي أقامتها الزوجة، حيث لم يتبين وجود ضرر واقع على الزوجة يحق لها الطلاق بسببه وأن ما ذكرته لا يعد سبباً مقبولاً للطلاق.