لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر،
ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام.
(الميثاق التأسيسي لمنظمة اليونسكو)
(1)
لعل من أطرف الوسائل لترويج ثقافة السلام، هو ما قرأته عن الكاتب الإسرائيلي أساف غافرون. فغافرون هذا، الروائي المهتم بالتواصل مع الآخر/ الفلسطيني والمحسوب على تيار السلام الإسرائيلي، وضع نصوصاً للعبة كمبيوتر تحمل اسم: صانع السلام (peace maker). ولكي يضيف المزيد من المصداقية والدقة على لعبته هذه، فلقد أشرك العديد من الطلاب الفلسطينيين المتواجدين في جامعة بيتسبورغ في الولايات المتحدة الأمريكية، في تطوير هذه اللعبة نفسها. كما أنه جرّبها عليهم وعلى الإسرائيليين، وعلى غيرهم من الشرائح الأخرى كذلك. أما طريقة اللعب، فهي تتمثل في اختيار دور الرئيس الفلسطيني محمود عباس أو دور رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ بحيث وعبر المرور بجميع محطات النزاع والأحداث المختلفة بينهما يحاول اللاعب أن يتوصل إلى صيغة سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين معاً. ولكن بالرغم من هذه المبادرة السلمية، إلا أن غافرون لا يخفي تشاؤمه من استمرار الحرب والنزاعات بين الدولتين.
أما في المقابل لهذه اللعبة، وعلى الضدّ منها تماماً، انطلقت - منذ مدة ليست بالقصيرة - لعبة سياسية خطيرة على شبكة النت تحمل اسم: بوش محارب الإرهاب (Bush Shoot out). وهي لعبة مسيسة وموجهة لفئة الأطفال والشباب تحديداً، تهدف إلى تأييد موقف بوش من حربه على الإرهاب. هذا مع العلم، بأن هذه الإدارة الأمريكية نفسها التي تحارب تحت هذه اللافتة الكبيرة، يصنفها الخبراء من ضمن الإدارات التي تمارس إرهاب الدولة على شعبها وعلى العالم كله. إن هذه اللعبة التي تبدو من ألعاب الكرتون، تجعل اللاعب يتقمص دور الرئيس الأمريكي شخصياً، ويقوم بالدفاع عنه وقتل مئات الإرهابين الذين دخلوا أو يحاولون اقتحام البيت الأبيض من أجله؛ بينما الرئيس يظهر بلباس الكابوي التكساسي حاملاً رشاشه. ولكن حالة التقمص هذه، لا تتوقف عند تقمص شخصية الرئيس فقط، بل تتجاوزها إلى تقمص شخصية كوندوليزا رايس أيضاً، التي تظهر في المستوى الثالث من اللعبة، وهي تحمل الرشاشات وتدافع عن رئيسها باستماتة.
لهذا، ومن باب تلمس فارق الوعي ومدى تأثير هذه اللعبة في عقول الناشئة، قمت فعلاً بتجريبها على نفسي أولاً. فشعرت وأنا تحت ضغط المؤثرات الصوتية والحركية والبصرية؛ بأني بدأت أنخرط لا شعورياً في دفاعٍ رامبوي مستميتٍ عن شخص الرئيس، واتعاطف معه كما لو أنّي أدافع عن نفسي تماماً. لقد كانت رغبتي تظهر أثناء اللعب، في إبادة المهاجمين وحماية الرئيس من الموت؛ بينما كان يتم كل هذا بعيداً عن قناعاتي الشخصية تجاه الموضوع ذاته. فلتتخيلوا إذاً، مدى ما يمكن لهذا النوع من الألعاب المسيسة أن تحدثه في عقول الناشئة والشباب، وكيف يتم من خلالها تمرير رسائل سياسية ملغومة مثل هذه، تضرب بعرض الحائط بجميع الآراء والحقائق والمطالبات المناهضة دولياً لهذا المسار، وتركز فقط بشكل يشبه غسيل المخ على تقوية الشعور بهذه الغطرسة البربرية وحدها.
(2)
لعبتان هما، لعبة سلم ولعبة حرب. لعبة حياة ولعبة موت. لعبة تُقرب بين الشعوب وتنبذ أشكال العنف، ولعبة تحتضن العنف وتولّده وتُصَدره للآخر. لعبة تخاطب العقول والضمائر، ولعبة تخاطب الغرائز الدفينة وتذكي نزعة القتل الفائض. لعبة تريد الوصول لسلام دائم، ولعبة تريد الوصول إلى نزاع دموي دائم. لعبة تصبو لطمس النزاعات والترقي لآدمية الإنسان، ولعبة تريد العودة بنا إلى البربرية والبدائية الحيوانية. لعبة تنتصر للحق والعدالة والقانون، ولعبة تنتصر للظلم والعنف والإمبريالية. لعبة في مقصدها نبيلة ومثالية، ولعبة في بنيتها وتوجهها خسيسة ولا إنسانية.
لعبتان هما من ألعاب الناشئة إذاً، تختصران في جوهرهما جدلية الحرب والسلام الدائرة في عالم اليوم. فهذه الجدلية الشائكة والمعقدة، ومنذ نهاية نظام قوة القطبين، وانطلاق أيديولوجيا العولمة في بداية التسعينات، وما تلاها من حروب دولية مدمّرة، ونشوب نزاعات إثنية ودينية وصلت إلى مستوى الحروب الأهلية والإبادات العرقية، وتصاعد مد الحركات الأصولية بشتى أنواعها، وانفجار ثقافة العنف والكراهية من جديد في الجهات الأربع. أقول: ان كل هذه الأسباب مجتمعة، قد جعلت من موضوعة ثقافة السلام تحتل رأس سلّم الأولويات، لدى المنظمات الأممية وفي العلاقات الدولية وفي صلب الفكر العالمي حالياً. فالعالم، وإذا ما ترك على هذه الشاكلة من الانحطاط والفوضى والاستلاب والانغماس في مستنقعات الدّم، فهو ذاهب لا محالة إلى إبادة نفسه، واسقاط جميع فرص السّلام وتأجيج الصراع بين الأديان والحضارات.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما المقصود بالسّلام الدائم؟ وكيف تطور إلى مفهوم ثقافة السلام؟ بل ما معنى ثقافة السّلام أصلاً؟
(3)
سيكون من المهم التوكيد أولاً، على أن فكرة السّلام والرغبة في تحقيقها، ليست هي وليدة اليوم حتماً؛ بل هي قديمة قدم الوجود البشري ذاته. وقد نجد لها بذوراً متأصلة ومتناثرة، في الفكر اليوتوبي تحديداً. غير أن هذا السرد التاريخي، سيطول شرحه هنا. ولكن، ومنذ أن وضع الفيلسوف الألماني العظيم إمانويل كانط (1724 - 1804م)، كتابه السياسي المهم: نحو السّلام الدائم: محاولة فلسفية، والصادر عام 1795 ميلادية؛ ومفهوم السّلام الدائم قد تغير كلية وأخذ صبغة دستور قانوني عقلاني وأخلاقي، يناهض تماماً الحال الطبيعية المتأصلة في روح العداء والتي تنفجر على شكل خلافات بين البشر والأمم. وهذا الكتاب المرجعي على صغر حجمه وعظمة فائدته، هو عبارة عن بنود قانونية/ تشريعية صاغها كانط، من أجل إحلال السّلام الدائم بين الدول. لهذا، فإن أول نص فلسفي تظهر فيه فكرة جمعية الأمم، من حيث روح هذه الجمعية أو من حيث نصوص دستورها، هو نص كانط ذاته الذي ظهر في كتابه المذكور أعلاه. بينما فكرة جمعية الأمم عند كانط، فإنها تعني في جوهرها، تأسيس مجتمع مدني يشرف على تطبيق النظام الحقوقي العالمي.
أما بخصوص طبيعة السّلام الدائم وجوهره، فإن كانط يقول: يجب ألا تقوم حرب البتة، لا بينك وبيني، في الحال الطبيعية، ولا بيننا كدول مبنية، داخلياً، على أسس شرعية في ما هي حرّة، خارجياً، من أي ارتهان(من حيث علاقاتها المتبادلة).. أي أن المسألة لم تعد مسألة معرفة ما إذا كان السّلام الدائم واقعاً حقيقياً أو تصوراً فارغاً، وما إذا كنّا لسنا على خطأ في حكمنا النظري..إنما ينبغي أن نعمل كما لو كان السّلام، الذي ربما لن يتحقق، قابلاً للتنفيذ، وأن نعمد، سعياً وراء هذه الغاية، إلى إقامة نظام دستوري.. أما إذا كنا لا نستطيع بلوغ هدف السّلام الدائم، وإذا كان السّلام يظلّ، بالنسبة إلينا، مجرد أمنية غالية، فعلى الأقل لن نخطئ قط إذا اتخذنا، كمبدأ لنا، أن نصبو إليه من دون كلل، لأن هذا هو الواجب.. إن مسألة السّلام الدائم والشامل لا يؤلف جزءاً من غاية الحق النهائية فحسب، إنما يمثل هذه الغاية بأكملها، إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية العقل وحده. بالفعل، لا توجد حال سليمة إلا الحال التي يكون فيها ما يخصني وما يخصك مضمونين قانونياً في كنف مجموعة كبيرة من الناس يعيشون متجاورين، وبالتالي متحدين في ظل كيان دستوري (نحو السّلام الدائم، ،1985 ص:13 -14).
(4)
بالطبع، لقد تطور مفهوم السّلام على مدار القرنين الماضيين، منذ صدور كتاب كانط ذاك. فلقد أصبح مفهوم ثقافة السّلام، أكثر شمولية وإيجابية لنظرية السّلام ذاتها، والذي بالضرورة يتطلب منا وعياً مضاعفاً لإدراك هذه الثقافة التضامنية والأممية الجديدة. فها هي منظمة الأمم المتحدة اليونسكو، وفي دورتيها الخمسين والحادية والخمسين، تحدد مفهومها لثقافة السّلام كما يأتي: ثقافة السّلام هي، مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد والعادات وأنماط السلوك وأساليب الحياة؛ بحيث تجسد في مجموعها تعبيراً عن، وطموحاً إلى احترام الحياة واحترام البشر وحقوق البشر، مع رفض العنف بكل أشكاله، والاعتراف بالحقوق المتساوية للرجل والمرأة، والاعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير والإعراب عن الرأي والحصول على المعلومات، والتمسك بمبادئ الديمقراطية، والحرية، والعدالة، والتنمية للجميع، والتسامح، والتضامن، والتعددية، وقبول الاختلافات والتفاهم بين الأمم، وبين الفئات العرقية والدينية والثقافية وغيرها من الفئات وبين الأفراد (موقع اليونسكو الإلكتروني، مذكرة إيضاحية 1997).
إن الدور المنوط بالثقافة اليوم، هو دور تاريخي وحضاري وأممي وإنساني، يهم البشرية كافة في كفاحها ضدّ أشكال العنف والفقر والظلم والاقتتال والتمييز الديني والعنصري، ويسعى إلى نشر ثقافة السّلام وخلق تقاطعات من الاهتمامات المشتركة بيني وبين الآخر. إنه الدور الإنمائي والتضامني للثقافة مع التربية، والذي يؤسس لبناء إنسان متعلم ومثقف جديد، ينهض على أنقاض ذاك الإنسان المسلوب الإرادة والعقل. إنه الإنسان الجديد، الذي يؤمن بالقيم الإنسانية العظمى، وبالحوار العقلاني المنفتح، والتسامح، والاختلاف، والتنوع، ويحترم المثل الديمقراطية للحق، والقانون، والحرية، والعدالة، والمساواة، والكرامة. وذلك شريطة ألا ينسلخ عن جذوره ويذوب في ثقافات الغير. وعلينا هنا أن نتذكر فقط، عبارة المهاتما غاندي التي ما زال صداها يرن حتّى اليوم: أملي أن تهبّ جميع الثقافات بمحاذاة منزلي، وبأكبر قدر ممكن؛ لكنني أرفض أن تسلخني أي منها عن جذوري.
(5)
هكذا إذاً تتجلى مهمة ثقافة السّلام على المستوى الدولي، والتي تتطلب إذا ما أردنا أن ننتسب إليها فعلاً - إلى ضرورة وضع خطط استراتيجية تنموية ومستقبلية، على مستوى الثقافة المحلية أولاً. لأن التغيير في الثقافة هو تغيير في الرؤوس والأرواح، بحيث يتطلب عملاً طويلاً ومضنياً لا تحكمه العشوائية والترقيع، ولا يدار بعقلية التكنوقراط أو أنصاف المثقفين.
وصحيح مثلاً، بأن الاهتمام بالثقافة (ولكن أي نوع من الثقافة نقصد؟)، قد بلغ أوجه على مستوى المشاريع الثقافية، في بعض البلدان العربية. ولكن ما هو مثلاً، وضع المثقف الكاتب أو الأديب الذي يفترض به أن ينتج هذه الثقافة؟ إنه في الغالب يكون في الحضيض، إلا من رحمة ربّه منهم طبعاً، يقاسي الجوع والحرمان والفاقة والبطالة والمرض والحصار، ولا يجد هناك من يعينه أو يقف معه في عثراته أو يجنبه قساوة الحياة وذل لقمة العيش. فهذا الكاتب الذي أفنى حياته في خدمة الثقافة، ها هو يجد نفسه وحيداً على قارعة الطريق. فلماذا؟ ومن أجل من؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ ثم كيف بإمكانه أن يكتب؟ أن يكون مطمئناً ومستقراً وغير مطارد؟ أن يعيش مثلاً؟ أو أن يكون فاعلاً ومنتجاً، على أقل تقدير؟
إن الاهتمام بالثقافة على هذه الشاكلة اللاإنسانية، ونسيان من ينتجون الثقافة وتركهم يعانون الأمَرَيْن في حياتهم، لهي جريمة ترتكب في حق هذه الثقافة نفسها. فهل هذا الوضع البائس للكتّاب، يجعل من حلم اللحاق بركب ثقافة السّلام لدينا حقيقة واقعة؟ بالطبع، إن ثقافة تتخلى عن كتّابها إلى هذا الحد، وتتركهم يعيشون في أحلك الظروف وأقساها، لا تستحق فعلاً أن يضحى من أجلها أبداً، وأنا سأكون أول المنسحبين منها.