احذروا الوقوع في الشبهات

الأسوة الحسنة
01:03 صباحا
قراءة 5 دقائق

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الحلال بيّن وإن الحرام بين وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.

هذا التوجيه النبوي الكريم يوضح بيان الحلال والحرام وما بينهما، ويضع الضوابط الدقيقة لمنع أية شبهة تتسرب إلى المال وغيره، فالمال يمثل أقصى شهوات النفس البشرية، ولهذا يأمر الله سبحانه بتناول الحلال الطيب قبل أن يأمر بعمل الصالحات، قال تعالى: كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إذ كيف تقبل عبادة، أو يستجاب دعاء والمال من حرام؟

الحديث الذي معنا يقطع طريق الريبة إلى النفوس، ويحد من أطماع المتلاعبين بالكسب والعمل، أو العابثين بشتى الوظائف الاجتماعية، فيقرر حقيقة هي من الوضوح بمكان بحيث لا يغفلها أحد، ولا تغيب عن ذهن عاقل.

إن الحلال بيّن والحرام بيّن.. إنه واضح للخاصة والعامة ومعلوم من الدين بالضرورة.. ومن أمثلة الحلال: أكل الطيب المباح، وشرب الطيب المباح، ولبس الأثواب المباحة.. ومن أمثلة الحرام أكل الربا، وشرب الخمر، والسرقة وما إلى ذلك.

يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر: من رحمة الله بالإنسان أنه بيّن له الحلال من الحرام، والطيب من الخبيث، وتكفل سبحانه بشأن التحليل والتحريم عن طريق الوحي الإلهي المعصوم، فقال سبحانه: وَنَزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لكُل شَيْءٍ وقامت السنة الشريفة كمصدر ثان للتشريع بجوار القرآن في تفصيل ما أجمل، وبيان ما يحتاج إلى توضيح، قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَينَ لِلناسِ مَا نُزلَ إِلَيْهِمْ.

وقال العباسي: والله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجا واضحا وأحل الحلال وحرم الحرام.

والله سبحانه وتعالى لم يحرم على الإنسان شيئا إلا رحمة به وحماية له من أضرار المحرمات، فالتحريم في الإسلام لا يأتي من باب التضييق والحرمان، ولكن التحريم يتبع الخبث والضرر.. فما كان خالص الضرر -كما يقول الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر- فهو حرام، وما كان خالص النفع فهو حلال، وما كان ضرره أكبر من نفعه فهو حرام، وما كان نفعه أكبر فهو حلال، وهذا ما صرح به القرآن الكريم في شأن الخمر والميسر: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلناسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نفْعِهِمَا.

والمسلم مطالب بالاستجابة الكاملة لما أمر الله سبحانه وتعالى بتجنبه والانصراف عنه، وليس من اللازم أن يكون المسلم على علم تفصيلي بالخبث أو الضرر الذي حرم الله من أجله شيئا من الأشياء، فقد يخفى عليه ما يظهر لغيره، وقد لا ينكشف خبث الشيء في عصر، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائما سمعنا وأطعنا.

التيسير على العباد

ومن محاسن الإسلام ومما جاء به من تيسير على الناس -كما يقول الداعية والفقيه الدكتور يوسف القرضاوي- أنه ما حرم شيئا عليهم إلا عوضهم خيرا منه مما يسد مسده ويغني عنه.

* فقد حرم عليهم الربا وعوضهم بالتجارة الرابحة.

* وحرم عليهم القمار، وأعاضهم عنه أكل المال بالمسابقة النابعة في الدين بالخيل والإبل والسهام.

* وحرم عليهم الحرير وأعاضهم عنه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن.

* وحرم عليهم الزنى واللواط، وأعاضهم عنهما بالزواج الحلال.

* وحرم عليهم شرب المسكرات، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن.

* وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات.

وهكذا لو تتبعنا أحكام الإسلام كلها، وجدنا أن الله جل شأنه لم يضيق على عباده في جانب إلا وسّع عليهم في جانب آخر من جنسه فإنه سبحانه لا يريد بعباده عنتا ولا عسرا ولا إرهاقا، بل يريد بهم اليسر والخير والهداية والرحمة.. كما قال تعالى: يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَينَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الذِينَ يَتبِعُونَ الشهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً. يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَففَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً.

الأمور المشتبهة

ثم ينتقل الحديث بعد ذلك إلى بيان أمر ثالث: وهي الأمور المشتبهة وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس أي بين الحلال والحرام أمور مشتبهة على كثير من الناس حكمها فلا يقطعون فيها برأي ولا يقفون على حكمها بالتعيين أتكون من الحلال أم لا؟ والسبب في هذا، أنه يتنازعها دليل الحل فيظن أنها حلال، ودليل الحرمة فيظن أنها حرام من جهة عموم الأدلة.

وهذه الأمور -كما يقول العلماء- ينبغي على المسلم أن يسأل بشأنها الراسخين في العلم الذين أوتوا بصيرة مستنيرة وعقلية علمية راجحة ولديهم القدرة على الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.. يقول الحق سبحانه: وَلَوْ رَدوهُ إِلَى الرسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ.. أما إذا اختلفت آراء العلماء فيها، فعلى المسلم أن يحتاط لدينه فيتوقف عن هذه الأمور، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. أي أن من حذر من الشبهات وتوقى الاقتراب من مواطنها فقد طلب البراءة وحصل عليها فحافظ على دينه من النقص، وبهذا يفهم أن من اقترب من هذه الأمور فقد تعرض للطعن فيه.

وهنا يجب على العالم الذي يوضح الأحكام الشرعية للناس -كما يقول الدكتور هاشم- ألا يفعل شيئا قد يكون ظاهره مدعاة لسوء الظن به، حتى يبين وجه الحقيقة فيه، وعلى الناس عامة ألا يعرضوا أنفسهم للقيل والقال، بل عليهم إذا أحسوا بشيء من هذا القيل أن يبينوه حتى لا تظن بهم الظنون.

وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم أن صفية بنت حييّ زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره حين اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان ثم قامت فقام معها يودعها، فمر بهما رجلان من الأنصار، ورأياه واقفا معها، فقال: على رسلكما إنها صفية بنت حييّ فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وهل نظن بك إلا خيرا؟ فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقد خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا.

ثم يبين الحديث بعد ذلك مغبة ما يؤول إليه أمر هذه الأمور المشتبهة، بأن من وقع فيها وقع في الحرام، فإن فعل الشبهات يقرب من الحرام، لأن الكثرة منها تجعل صاحبها يصادف الحرام دون أن يشعر أو أن كثرة تعاطي الشبهات والتساهل في أمرها تجعله يجرؤ على الوقوع في الحرام.

وإنما آثر التعبير بقوله: ... ومن وقع دون أن يقول ومن فعل الشبهات مثلا لينبه على أن تعاطي الحرام والوقوع فيه يكون نتيجة الإكثار من الشبهات والرغبة فيها حتى يسقط فلا يستطيع التخلي عنها وعندئذ يقع في الحرام.

وإذا كان لكل ملك حمى يحميه من الناس، ويمنع أحداً من أن يدخل فيه، ومن دخل فيه أوقع به العقوبة، ولذا لا يقاربه أحد رهبة وخوفا، فإن حمى الله تعالى -وهي محارمه- أولى بالبعد عنها، وأجدر ألا يقربها الناس، فالمعاصي من قتل أو زنى أو سرقة أو غيبة وغير ذلك.. كل هذا يمثل حمى الله فمن ارتكب شيئا منها كان موضع غضب الله وعذابه.أما مستقر الصلاح في الإنسان، ومبعث الخير والبر فيه فهو القلب ولهذا يبرز الحديث أهميته كأساس في توجيه صاحبه إلى الحلال والبعد عن الحرام.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"