تعلمنا من إسلامنا أن رسالة المسلم في الحياة هي عبادة الله وحده من خلال أداء ما كلفه من فرائض وطاعات، وما أمر به من أعمال وفضائل يستفيد منها المجتمع، حتى شهوة الإنسان التي يؤديها استجابة لدافع الغريزة البشرية في الحلال، طاعة وعباده لله .
تعلمنا من علماء وفقهاء الإسلام أن العبادة الحقيقية لا تقتصر على الفرائض والتكاليف الشرعية ولا تقف عند حدود الصلاة والصيام والزكاة والحج، كلها تتسع لكل ما فيه الخير والنفع للإنسان ولكل المحيطين به، دون خروج عن حدود الحلال والحرام، لكن يبقى السؤال المهم: لماذا نعبد الله؟ وبعبارة أخرى: لماذا فرض الله علينا عبادته وطاعته وهو الغني عنا؟ وما الغاية من تكليفنا هذه العبادة؟ وهل يعود عليه سبحانه نفع من عبادتنا له وخضوعنا لوجهه الكريم؟ أم النفع يعود علينا نحن المخلوقين؟
يقول الدكتور عبد المعطي بيومي، أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلامية، عضو مجمع البحوث في الأزهر: الخالق عز وجل لا يستفيد شيئاً من عبادة عبده ولا يضره شيئاً من انصراف أو إهمال عباده لما كلفهم من طاعات وما أمروا به من عبادات، فهو سبحانه كما قال أحد العلماء: لا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا ينقصه جحود الجاحدين، فهو الغني ونحن الفقراء إليه، وهو الودود الكريم، والبر الرحيم الذي لا يأمرنا إلا بما فيه خيرنا وصلاحنا نحن المخلوقين، وقد أوضح لنا خالقنا عز وجل في القرآن الكريم أن ثمرة الطاعة تعود على الإنسان الطائع، وعاقبة التمرد والعصيان تعود على العاصي المتمرد . يقول عز وجل على لسان نبيه سليمان في القرآن الكريم قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم، وقال سبحانه في شأن فريضة الحج ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين .
وهذه النصوص القرآنية تؤكد جميعها أننا نعبد الله من أجل أنفسنا، فمردود هذه العبادة يعود على المخلوق العابد وليس على الخالق المعبود، فالله سبحانه وتعالى غني عن عباده وعن عباداتهم، وهم جميعاً الطائعين والعصاة في أمس الحاجة إلى عفوه ورحمته يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد .
يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً .
وإذا كان الله سبحانه غنياً عن عبادتنا، فلماذا إذن كلفنا عبادته وطاعته؟
مصدر خير للجميع
تقول الدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية في جامعة الأزهر: المسلم هو المستفيد الأول من عبادته خالقه، والمجتمع أيضاً مستفيد، فالإنسان العابد الطائع الحريص على واجباته الدينية الملتزم بقيم وأخلاقيات دينه يفيد مجتمعه وينشر فيه الخير ويواجه بصبر وشجاعة كل صور الشر الموجودة في المجتمع، فالإنسان العابد الطائع لربه الحريص على تعاليم وأخلاقيات دينه يفيد نفسه وأهل بيته وأسرته وكل المحيطين به والمتعاملين معه .
وتفصل الدكتورة آمنة نصير ما أوجزته في العبادات السابقة وتقول: العبارة الأكثر شيوعاً على ألسنة العلماء هي العبادة غذاء للروح، وهي بالفعل كذلك، ولو دققنا في أهداف ومقاصد العبادات جميعها لوجدناها راحة وطمأنينة وسعادة للإنسان، فالإنسان يلجأ إلى خالقه عندما تضيق به السبل، ولنا أن نتأمل وجوه القادمين إلى المساجد ومقارنتها بوجوههم وهم خارجون منها لنعرف الفارق الكبير بينها قبل أداء فريضة الصلاة وبعدها، فبعد أداء الصلاة يشعر الإنسان براحة وسعادة وطمأنينة، فقد أدى ما عليه من دين لخالقه، وكذلك الحال في كل الفرائض، الإنسان بعد أدائها أكثر سعادة وطمأنينة منه قبل أدائها .
يقول ابن القيم رحمه الله: لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها، فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها، فمحبته تعم النفوس وحياة الأرواح وسرور النفوس، وقوت القلوب ونور العقول، وقرة العيون، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الذكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من محبته والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أغلى من كل لذة، فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا ينعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإثابة إليه . تقول د .آمنة نصير: الذي يتذوق طعم الإيمان يشعر بلذة العبادة، فالمؤمن الحق لا يرى في العبادة مجرد تنفيذ أوامر فحسب، بل يرى فيها سعادة ما بعدها سعادة، ولذة لا تفوقها لذة، ولنا في شوق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأداء العبادات المثل والقدوة، فقد كان ينتظر أداء الصلاة وكله شوق وحنين، وإذا ما حان وقتها كان يقول لبلال: أرحنا بها يا بلال، ومما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، وهو عليه الصلاة والسلام القائل: جعلت قرة عيني في الصلاة .
ارتقاء بالأخلاقيات
وإلى جانب الأهداف الكثيرة للعبادات الإسلامية التي عدها العلماء سبيلاً للحرية فهي وحدها التي تعتق القلب من رق المخلوقين وتقوي من صلة العبد بخالقه وتمنحه الثقة في نفسه والتوكل على الله وحده، وإلى جانب كونها حقاً لله على عباده، وحق الله على عباده، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وهو خلفه على ظهر حماره، حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وإضافة إلى كونها طلباً للثواب وخوفاً من العقاب، إلى جانب كل ذلك فإن العبادات الإسلامية ارتقاء حقيقي بأخلاقيات الإنسان، ولنا أن نتأمل قول الحق سبحانه وتعالى وهو يرسم صورة تفصيلية للشخصية المسلمة الحريصة على أداء عبادة الصلاة والتي تقودها هذه العبادة إلى العديد من الأخلاقيات الفاضلة، يقول سبحانه في سورة المؤمنون: قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون . وهكذا يؤكد لنا القرآن الكريم في العديد من سوره وآياته أن العبادات الإسلامية من صلاة وصوم وزكاة وحج ترقى بسلوكيات الإنسان، وصاحب الأخلاق الطيبة والخصال الحسنة يعيش سعيداً فهو راضٍ عن نفسه، يجد القبول من كل من يتعامل معه، والإنسان يستمد سعادته من رضاه عن نفسه ورضى الآخرين عنه، ولن يتحقق كل ذلك إلا بعد رضاء الله الخالق عز وجل لينضم هذا الإنسان العابد الطائع إلى قافلة عباد الرحمن الوارد ذكر صفاتهم وخصالهم الحميدة وأوصافهم الطيبة في سورة الفرقان .
مفلسون في الدنيا والآخرة
لكن ما موقف الإسلام من الذي يصلي ويصوم ويزكي ويحج ربما كل عام ويتظاهر بالتقوى والصلاح ولكنه يرتكب سلوكيات شاذة وغريبة ويحرض على ارتكاب جرائم ويشجع على ممارسة فساد، هل يستفيد هؤلاء من العبادات والطاعات التي يتظاهرون بها؟
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم، الرئيس السابق للجنة الفتوى في الأزهر: هذا الإنسان في واقع الأمر لم يستفد من عبادته شيئاً، لأن هذه العبادات والطاعات والأعمال الخيرية لم تكن خالصة لوجه الله عز وجل، وهذه النوعية من الناس تخرج من الدنيا مفلسة مهما تعددت وجوه الخير الذي تفعله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف، فيقول لبعض صحابته الكرام: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . فرد عليهم صلوات الله وسلامه عليه قائلاً: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار .
الغاية المنشودة
وهكذا يوضح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الغاية المنشودة من العبادات في الإسلام أن تزكي النفس الإنسانية وتصقلها وتوثق صلة الإنسان بخالقه وصلته بالناس على أساس من العقيدة الصحيحة والخلق الحسن، فبالصلاة ينتهي المسلم عن الفحشاء والمنكر، وبالزكاة يتخلص المسلم من رذيلة البخل وتترعرع الألفة بين القلوب وينمو الحنان والإحسان بين الناس، وبالصوم يتمرس الإنسان على الصبر وسائر خصال البر والتقوى، وبالحج تتم سائر الفضائل الدينية والأخروية التي تغرسها مناسكه في قلب المسلم، وهكذا تثمر العبادات في الإسلام ثمرتها وتؤتي أكلها إذا صدقت بها نية صاحبها . أما إذا أداها كمجرد عادة يقوم بها وأفعال جامدة لا روح فيها فلا وزن لها ولا ثمرة ترجى من ورائها . وما أكثر ما نرى من يحرصون على العبادات ويظهرون بالمداومة عليها ثم يفعلون ما يتنافى مع روح العبادة ويقترفون ما لا يرضاه الدين . وهؤلاء في حقيقة الأمر لا يستفيدون من عباداتهم إذ أدوها أشكالاً هشة، وكانوا كمن يحمل كثيراً من الدراهم وعليه أضعافها من الديون، فإذا حل وقت الأداء وجدها قليلة الجدوى .
إن العبادات والطاعات لا تمحو كل آثار الأخلاق السيئة والسلوكيات الشاذة لكثير من الناس، بل العكس هو الصحيح، فالعبادة الصحيحة الكاملة غير المبالغ فيها مع حسن الخلق تكفل لصاحبها النجاة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة تكثر من الصلاة والصيام والصدقة ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: هي في النار، فقيل له: فلانة امرأة أخرى لا تصلي ولا تصوم كثيراً وتتصدق بقطع الجبن، ولكنها لا تؤذي جيرانها، فقال عليه الصلاة والسلام: هي في الجنة . إذاً حسن الخلق يغفر كثيراً من الذنوب، وهذه حقيقة غابت عن كثير من الناس .