فارق السن الكبير بين الآباء والأبناء قد يمثل فجوة في طريقة التفكير في بعض الجوانب، وهذا طبيعي في ظل اختلاف الأجيال، ولكن هذه الفجوة قد تتسع في الحالات التي يكون فيها هذا الفارق في السنوات استثنائياً، فقد نجد آباء تخطوا الستين والسبعين، وأبناؤهم في سن المراهقة أو حتى أطفال، فالآباء الذين عاشوا عصراً مختلف الملامح والمعطيات قد يجدون صعوبة في التعامل مع أبناء عصر مختلف وله مقوماته الخاصة، إلا من يستطيع منهم القفز بشيء من المرونة ليتجاوز هذا الفارق ويلتقي في نقطة وسط مع أبنائه .
البعض ممن عاشوا هذه التجربة، سواء آباء أو أبناء، لم يشعروا بهذه الفجوة ورأيهم أن الأمر لا يتعلق بالفارق في السنوات، ولكنه يتوقف على شخصية الأب وثقافته، ولكن الآخرين ممن عاشوا التجربة نفسها خاصة من الأبناء وجدوا أن الاختلاف في التفكير موجود ويزيد كلما زاد الفارق في السن .
أنور هلال، صاحب قرطاسية الهلال المضيء، أحد الآباء الذين عاشوا التجربة مع آخر أبنائه، الذي رزق به وهو في الثالثة والخمسين من عمره، يتحدث عن تجربته قائلاً: لدى أربعة أبناء ثلاثة منهم تخطوا الثلاثين، وجميعهم متزوجون ولم يتبق سوى ابني الصغير 9 سنوات، الذي رزقنا به على غير انتظار فلم نخطط أنا ووالدته للإنجاب مرة أخرى في هذه السن بعد أن كبر أولادنا، ولكنها مشيئة الله، وبالنسبة لمسألة الفجوة لا أعتقد أنه يمكن أن توجد بيني وبينه، رغم أني أحياناً أفكر في هذا الأمر فأنا أعلم أنه ابن عصر مختلف كثيراً والتكنولوجيا صنعت فرقاً كبيراً، وإذا كان الآن طفلاً وأمر التعامل معه سهلاً فإنه عندما يصل لسن المراهقة سأكون تقدمت في السن .
صالح الشريعان وهو في الثالثة والستين من عمره، واجبه كأب دفعه للبحث عن الأسلوب المناسب للتعامل مع ابن يمر بسن المراهقة، يتحدث من خلال تجربته الشخصية قائلاً: آخر أبنائي الآن في التاسعة عشرة من عمره، أراد الله أن يرزقنا به وكان له فرحة من نوع خاص وكان وهو طفل فاكهة البيت، وقد حاولت مع سنوات عمره أن أعطيه حقه مثل إخوته الكبار، فكنت أتقرب منه لأكون صديقاً له، ثم بدأ يدخل سن المراهقة والحمد لله أني على اطلاع بمجريات العصر وأفهم بدرجة ما مدركات جيل الإنترنت والفيس بوك التي تربوا عليها وأصبحت بالنسبة لهم مثل شرب الماء، ولهذا أحاول ألا أفقد التواصل بيني وبينه، ومع هذا أحياناً يكلمني في أمور أحتاج أن أسأل فيها لأفهمه، خاصة الأشياء الحديثة .
أحمد يوسف، مراجع مالي بشركة الخليج العربي للصرافة، أب في السابعة والخمسين من العمر، وابنه الأصغر عمره 6 سنوات، يقول إن الفارق بينه وبين أخته التي تكبره 33 عاماً، ولا يخفي أن قلقه الطبيعي موجود من عدم قدرته على مجاراته عندما يصل لسن المراهقة فيقول: الأبناء وهم أطفال يكون التعامل معهم سهلاً ولا يحتاجون سوى الرعاية والحنان، الآن ألعب معه وأساعده في واجباته الدراسية البسيطة، ولا أهتم بأن البعض يظن أنني جده، أشعر بالشفقه عليه فقط لأني قد لا أستطيع إكمال رسالتي معه، والأعمار بيد الله، ولكن عندما يدخل مرحلة الشباب سأكون على مشارف السبعين ولا أعرف إن كنت أستطيع مجاراته وقتها، خاصة أنه لا أحد يعلم حجم التطورات التي سوف تستجد في الحياة، لهذا رأيي أنه رغم حلاوة تجربة أن نرزق بطفل الآن، إلا أننا قد نقصر بسبب سنوات العمر .
محمد علي، مدير شركة خاصة لديه ولد في سن الطفولة وآخر في المراهقة ورغم أنهما أتيا متأخرين بعض الشيء إلا أنه يؤكد أن زيادة الفرق في السن بين الأب وأبنائه ليست بالمشكلة إذا توافرت مقومات معينة في الأب ويقول: هما صديقاي لأني مطلع على كل ما هو جديد، ورأيي أن الآباء إذا كانوا كباراً في السن ولكن عندهم ثقافة، سوف يتفاعلون مع أبنائهم ويكونون أصدقاء لهم وفي النهاية الأب يقوم بواجبه نحو أولاده بالفطرة، حتى لو عنده مئة عام ولو لم يكن متعلماً أو مثقفاً فستدله عاطفة الأبوة على خير الطرق لمعاملة أولاده فالكثيرون آباؤهم مسنون وأصبحوا من أفضل الناس، أنا نفسي ولدت لأب تعدى الستين وكان لي نعم الأب، لم أشعر بهذا الفارق كنت أحبه وأحترمه وأستشيره في كل شيء من طفولتي لرجولتي .
رائد فؤاد، مهندس اتصالات بشركة خاصة، مع الرأي بأن فارق السن بين الآباء والأبناء ليس له التأثير الأهم . ويقول: علاقة الأب بأولاده، تحددها شخصية الأب وعقليته وثقافته ومفهومه عن الأبوة، فقد يكون في السبعين ولكنه متفتح ومطلع فيستوعب أولاده، حتى ولو كان الفرق بينه وبينهم جيلين، والأمر يتدخل فيه درجة التعليم والوسط الذي تربى فيه الأب نفسه، فأحياناً أب في الثلاثينات أو الأربعينات لا يستطيع تفهم أولاده، فوالدي كان الفارق بيني وبينه 25 سنة، يعني الفارق العادي والمألوف، ولكنه نشأ على النظام القديم الذي يرى أن هيبة الأب تستلزم عدم التبسط مع الأبناء، فهو لم يكن يعتقد أساساً في موضوع الصداقة معنا كأبنائه .
يونس جابر، طالب في المرحلة الثانوية، يمثل نموذجاً للابن الذي عاش تجربة أن يكون الأب أقرب إلى الجد بسبب كبر سنه، فوالده في الثانية والسبعين وهو لم يتجاوز عامه السابع عشر .
يقول: أنا الابن الأخير من الزيجة الثانية لوالدي، وعشت تجربة التباعد في التفكير معه ولا أعني بهذا أنه كأب مقصر، فرغم كل الظروف والمسؤوليات عليه هو يعدل ويحرص على أن يقوم بدوره الأبوي معي، وأحياناً أشعر بأنه قريب جداً مني، خاصة عندما يجلس معي ويحكي لي عن ذكرياته في مرحلة الشباب، ولكنني كشاب الآن لدي اهتمامات مرتبطة بالعصر الذي أعيشه، ووالدي ليس له أي اهتمام بها فهي بعيدة عنه بحكم سنه، خاصة أنه تاجر وتعليمه بسيط، ولهذا ليست هناك لغة حوار بيني وبينه في جوانب معينة . رغم أنني لا أنكر حنانه ولكن لا أستطيع أن أقول أننا أصدقاء .
محمود علي، مشرف تحميل في مطار دبي له تجربة يرويها قائلاً: عندما كنت في العاشرة من عمري والدي تخطى الخمسين، وشعرت بالفجوة التي لم تكن بسبب السن فقط، وإنما لأن تطورات هذا العصر استثنائية، ومهما حاول الجيل السابق استيعابها لن يكون بنفس قدرة الجيل الذي نشأ فيها وتشربها وأصبحت جزءاً من تكوينه، وطبعاً كلما زادت السنوات الفارقة زادت صعوبة تقبل هذه التغيرات، ولهذا فأبي رغم روعته لم يكن يمثل الصديق، وإنما أشقائي كانوا الأقرب والأكثر استيعاباً لي بحكم تقارب السن .
فهد نجاد، مندوب مبيعات، عاش تجربة قريبة الشبه يقول عنها: الأب هيبة هذا ما أعرفه، فلم أجرب مسألة الصداقة مع والدي لأنها لم تكن واردة، بحكم طبيعة فكرة أسرتنا عن كيان الأب وصورته في البيت، والسبب الآخر كان موضوع السن، ففارق العمر بيني وبينه زاد على 40 عاماً فلم يكن من السهل أن يدور بيننا حوار يجمع بين تطلعاتي واهتماماته، وهذا ليس تقصيراً من أي جانب، ولكن فارق السن .
حسن فوزي محفظ قرآن بجمعية دار البر، رغم مرور سنوات مازال يذكر التجربة التي يتحدث عنها قائلاً: عندما كنت في العشرين، كان والدي تعدى الستين، وهذا جعل المسافة بيننا واسعة ليكون بيننا موضوع الصداقة، خاصة أن هذا الفارق في السنوات كان وراء أن والدي نشأ في زمن كانت شخصية الأب لها ملامح خاصة، فلم تكن الأفكار التربوية الحديثة لها الحضور الحالي، ولهذا فوالدي بحكم سنه وتربيته كان شخصية حازمة تعبر عن صورة الأب التي عرفها ورآها في الوقت الذي نشأ فيه .
يتحدث د . محمد سامي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات، عن تأثير عامل فارق السن بين الآباء والأبناء وانعكاسه على علاقتهم قائلاً: الآباء هم المطالبون بمواكبة وتفهم المراحل السنية التي بمر بها أبناؤهم، واستيعاب متطلباتهم وإيجاد لغة حوار تمكنهم من الحضور في مساحة حياة أبنائهم للقيام بدورهم الأبوي التربوية بالشكل المطلوب، وأفضل شكل لهذه العلاقة الصداقة الأبوية أو الأب الصديق، ولكن هذا الأمر لم يعد سهلاً ويحتاج إلى مجهود خاصة لأبناء اليوم، لأن الثورة التكنولوجية وسعت الهوة بالنسبة للآباء الذين ليس لديهم فارق سن كبير مع أبنائهم، فما بالك إذا كان فارق العمر سنوات شاسعة، وكان الأب مسناً والابن في مرحلة الطفولة أو المراهقة، سوف يبدو الأمر وكأنه صراع أجيال .