والذي سيهمنا هنا هو تسليط الضوء على حقائق علمية واشتراطات وقوانين وضعتها دول تهتم بالبيئة بدرجة عالية جداً، مثل، نيوزلندا، التي عايشت تجربتها في هذا المجال عن قرب، إلى جانب مشاركتي في مؤتمر في العام 2008 في دبي، بورقة عن هذا الموضوع، دعوت من خلالها، جميع بلدان المنطقة والشرق الأوسط، إلى وضع ضوابط صارمة، واشتراطات للأبحاث الخاصة بالهندسة الجينية، والتعديل الوراثي، سواء في الإنتاج النباتي أو الحيواني، لاعتبارات سأسوقها لاحقاً، ولكن دعوني في البداية أشرح ماذا أقصد بالهندسة الوراثية؟
الهندسة الوراثية هي الهندسة التي تقوم على التلاعب بجينات الكائن الحي وتوجيهها نحو صفات مستهدفة، أو استخدام الطفرات الجينية طريقاً للوصول إلى تلك الأهداف، وبحسب ويكيبيديا الهندسة الوراثية «بالإنجليزية: Genetic Engineering»، وتسمى أيضاً بالتعديل الوراثي: هي تلاعب إنساني مباشر بالمادة الوراثية للكائن الحي، بطريقة لا تحدث في الظروف الطبيعية، وتتضمن استخدام الدنا المؤشب، غير أنها لا تشمل التربية التقليدية للنباتات والحيوانات والتطفير، ويعتبر أي كائن حي يتم إنتاجه باستخدام هذه التقنيات، كائناً معدلاً وراثياً، وكانت البكتيريا هي أول الكائنات التي تمت هندستها وراثياً في العام 1973، ومن ثم تليها الفئران في عام 1974، وقد تم بيع الأنسولين، الذي تنتجه البكتيريا في العام 1982، بينما بدأ بيع الغذاء المعدل وراثياً، منذ العام 1994.
إن الهندسة الوراثية هي التقنية التي تتعامل مع الجينات، البشرية منها والحيوانية، إضافة إلى جينات الأحياء الدقيقة، أو الوحدات الوراثية المتواجدة على الكروموسومات، فصلاً ووصلاً وإدخالاً، لأجزاء منها، من كائن إلى آخر، بغرض إحداث حالة تمكن من معرفة وظيفة «الجين»، أو بهدف زيادة كمية المواد الناتجة عن التعبير عنه، أو بهدف استكمال ما نقص منه في خلية مستهدفة.
وفي نيوزلندا أنشئت هيئة خاصة ضمن هيكل وزارة البيئة، تسمى هيئة حماية البيئة، معنية بموضوع الموافقات على استيراد، أو إجراء التجارب، أو إنتاج أي منتوج نباتي، أو حيواني، أو بايولوجي معدل، بواسطة تقنيات الهندسة الوراثية، وهذه الهيئة تستمد صلاحياتها من القانون رقم 30 لعام 1996، الخاص بالمواد الخطرة، والكائنات الجديدة، وقد عرف هذا القانون الكائنات الجديدة بالتالي:
} أي كائن يعود للأنواع التي لم تكن متواجدة في نيوزلندا قبل 29 يوليو 1998، مباشرة.
} أي كائن حي ينتمي إلى الأنواع، مثل السلالة المتنوعة، والسلالة، أو الصنف الذي يمكن وصفه كنوع من المخاطر، لكونه لم يكن موجوداً في نيوزيلندا، في وقت صدور اللائحة ذات الصلة.
} الكائن الذي حصلت ملوثاته على الموافقة تحت هذا القانون.
} الكائن الذي حصل على موافقات مشروطة بموجب القانون.
} الكائن المقبول للإطلاق بموجب ضوابط.
} الكائنات المعدلة وراثياً.
} الكائن الحي الذي ينتمي إلى الأنواع، والسلالات، أو السلالة التحتية المتنوعة، والسلالة، أوالصنف الذي تم استئصاله من نيوزيلندا.
وهذه الهيئة لديها كوادر علمية متخصصة، تجتمع دورياً، لوضع الضوابط عن أي كائن حي يراد إدخاله إلى الدولة، أو إجراء التجارب عليه، أو استخدامه في الإنتاج، سواء كان بكتيريا أو نبات أو حيوان، وهي معنية بالتعاون مع وزارة الزراعة والغابات، بالموافقة، وتحديد نسبة المنتوجات الغذائية المعدلة وراثياً، كما يساهم الأفراد في تقديم الرأي، أو الاعتراض على أي قرار لم يكن مستوفياً، لبعض الجوانب التي يراها المختصون ضرورية.
إن وضع الضوابط والاشتراطات، ليس بهدف تعقيد أو زيادة الكلف على التجارب والإنتاج، أو الاستيراد، بل لغرض تنظيم ذلك، كي لا يحصل تعد أخلاقي، على الكائنات الحية، ومن بينها الإنسان والبيئة، بصورة عامة، وقد نظمت ذلك اتفاقية استوكهولم التي صدرت عن منظمة الأمم المتحدة في 22 مايو/أيار 2001، وأصبحت نافذة المفعول في 17 مايو 2004، والتي عنوانها «حماية صحة الإنسان والبيئة من التلوث المستمر الناجم عن الكائنات».
كما أن جميع الأبحاث والتجارب، لم تؤكد بعد، سلامة المنتجات المعدلة وراثياً على صحة الإنسان والبيئة، والمخاطر في هذا المجال كثيرة، منها انتشار البكتيريا، أو حبوب اللقاح، عبر الهواء إلى النباتات والحيوانات غير المعدلة وراثياً، وتسببها في تشوهات جينية، بالرغم من بعض المجالات التي استخدمت فيها الهندسة الوراثية، ولا تزال، واستقبلها العالم أجمع بكل ترحاب، مثل إنتاج الأمصال والأنسولين.
وأثيرت مخاوف أخلاقية خاصة بالسلامة، حول استخدام الطعام المعدل جينياً، ويتصل جزء كبير من القلق الخاص بالسلامة، بالآثار المترتبة على صحة الإنسان، جراء تناول الطعام المعدّل جينياً، خصوصاً عند حدوث ردات فعل سامة أو حساسية، ويعتبر انسياب الجينات «Gene Flow»، داخل المحاصيل غير المعدلة وراثياً، ذات العلاقة، والتأثيرات البعيدة عن المرمى على الكائنات النافعة، والتأثير في التنوع الحيوي؛ مسائل بيئية مهمة، وتتضمن المخاوف الأخلاقية المسائل الدينية وسيطرة الشركات على مخزون الغذاء، وحقوق الملكية الفكرية، ومستوى التصنيف ذي الحاجة في المنتجات المعدلة وراثياً، وبالرغم من ذلك لا يزال النشاط كبيراً في إنتاج بعض الأصناف من المحاصيل، مثل الذرة، لغرض إنتاج الوقود الحيوي، كأحد البدائل للوقود الأحفوري، ومع الأسف ينتج هذا المحصول بكميات كبيرة في الدول الفقيرة، من دون ضوابط وبعيداً عن الرقابة، والشيء نفسه، لبعض الحيوانات مثل الماعز والأغنام.
الحديث يطول، ولكن الذي أطالب به على مستوى المنطقة والشرق الأوسط، أن تسن القوانين الصارمة، وإنشاء هيئات مختصة بهذا الموضوع، وربطه بالنفايات الخطرة والسامة، مع التنسيق بين البلدان لمنع أي تسريب قد يهدد المنتجات النباتية والحيوانية العادية، بل حتى يهدد التنوع الحيوي لأي بلد، الذي يعتبر المخزون الطبيعي، الذي يمكن الاستفادة منه في التنمية الشاملة مستقبلاً، مع الاستئناس بما يتواجد من تشريعات وتجارب عالمية، ومنها التجربة النيوزلندية.
د.داود حسن كاظم
مدير عام معهد رواق عوشة التعليمي
daoudkadhim@rewaqo
usha.net