كثيراً ما نعاني في مجتمعاتنا الخضوع لنظرة نمطية لبعض الشخصيات مثل تعميم بعض الأحكام وإطلاقها على شريحة كبيرة من البشر، ما يكرس صورة ذهنية معينة عن مهن محددة أو فئات طوائف معينة من الناس مثل الصورة النمطية للطبيب الجراح بأنه عديم القلب، والمحامي بأنه كثير الكلام وغيرها من الأحكام المطلقة التي يتم ترديدها بغير حساب. في هذا التحقيق، نتناول بعض الأحكام المطلقة المتعلقة بالمرأة، حيث أثبتت الدراسات الاجتماعية الحديثة أنها صاحبة النصيب الأكبر من التصنيفات السلبية الظالمة.
تحدثنا غادة محمود عن أكثر الصور النمطية التي عانتها الكثير من النساء وتقول: فشل تجربة الزواج بالنسبة لأي سيدة يعني بالضرورة أنها أخذت لقب «مطلقة» والذي يحمل في طياته الكثير من الأحكام المعلقة على رأسها مدى الحياة بأنها امرأة فاشلة غير مسؤولة، لا تقدر الحياة الزوجية وقد يذهب البعض بعيداً ليصنفها بأنها بالتأكيد كانت «زوجة نكدية» وأنانية اختارت الانفصال وفضلت راحتها الشخصية على استقرار الأسرة وراحة وسعادة الأبناء وغيرها من الصور الذهنية السلبية التي قد تمضي المرأة عمرها وهي تدافع عن نفسها ضدها. فعادة ما تتحمل المطلقة النصيب الأكبر من اللوم عن فشل الحياة الزوجية وانهيار الأسرة وغالباً ما يترتب على هذه الأحكام المجحفة الكثير من الممنوعات قد تطارد السيدة المطلقة مثل تجنب الخروج والتنزه المتكرر وعدم ارتداء الألوان المبهجة لفترة طويلة ويجب أن تتوخى الحذر في إقامة علاقات صداقة جديدة وغيرها من الأفكار سابقة التجهيز والتي قد تحاصر الكثير من المطلقات. ورغم أن المرأة انطلقت بالحياة وتحققت بكل المجالات إلا أنها لاتزال تعاني بعض الأحكام الذكورية المجحفة.
وتتفق إيمان محمد كثيراً مع الرأي السابق وتقول: «في الواقع إن الأحكام المطلقة تمتد لتشمل أبناء المرأة التي تنفصل عن زوجها أيضاً، خاصة الفتيات، فكثيراً ما يتم تصنيف الأبناء بشكل ظالم وتطاردهم صورة ذهنية سلبية تخص سلوكياتهم لمجرد كونهم تربوا على يد امرأة مطلقة، في بيت يخلو من وجود الأب.
أما سهى إبراهيم فتختلف مع الرأي السابق وتقول: «في رأيي أن المرأة بمجتمعاتنا نجحت إلى حد بعيد في دحر هذه الصور النمطية الخاصة بها، خاصة بعد اقتحامها كل مجالات العمل وأثبتت جدارتها بها وتقلدت أهم المناصب القيادية وحققت إنجازات كانت تعد في الماضي مجرد أحلام بعيدة المنال. ونتيجة لهذا التقدم الذي أحرزته النساء في كل المجالات لم تعد هذه الأحكام المطلقة أو التصنيفات تعني لها الكثير، بل إن أغلب النساء بمجتمعاتنا وضعن هذه الأفكار النمطية جانباً وأصبحن يتجاهلنها تماماً لدحرها والتغلب عليها ويمضين في حياتهن قدماً. وأعتقد أن أغلب النساء الناجحات بالحياة استطعن نسج صورة ذهنية إيجابية عن ذواتهن وقدراتهن ولم يستسلمن للقوالب النمطية عنهن.
تختلف سهيلة حماد كثيراً مع الرأي السابق وتقول: مهما بلغت قوة المرأة وثقتها بذاتها إلا أن هذا لا يحميها من التعرض لعواقب الأحكام المطلقة وهذه الصور النمطية عن المرأة تلاحقها في كل تصرفاتها فمثلاً هناك صورة نمطية عن المرأة بأنها لا يمكن أن تحسن قيادة السيارات وإنها ليست بمهارة الرجال وكثيراً ما نواجه معاملة خشنة أو تعليقات ساخرة من سائقين رجال عندما يجدون أن من يقود السيارة امرأة ولكن في الحقيقة تثبت الإحصاءات أن المرأة أكثر حذراً والتزاماً بقواعد المرور من الرجل وأقل تسبباً في الحوادث أو التورط في القيادة المتهورة.
وتشير دلال محمد على إلى أن الأحكام المطلقة ما زالت تحاصر المرأة بشكل غريب حتى مع اختلاف وضع المرأة عن السابق، فعلى سبيل المثال لا تزال الصورة الذهنية عن ربة البيت كما هي، مهما ارتقت النساء بمستوى تعليمهن وحتى لو حصلت المرأة على الماجستير أو الدكتوراه، واختارت عدم النزول للعمل خشية ترك بيتها وأطفالها للخادمات، فنجد النظرة النمطية تطاردها بأنها مجرد «ربة بيت» وبالتالي تُتهم بأنها غير مثقفة، وأن اهتماماتها سطحية ومعلوماتها لا تتعدى فنون الطهي والمطبخ وأخبار الفنانين والمسلسلات وهي أمور قد تكون غير سليمة تماماً.
وتلتقط نسرين عزيز خيط الحديث وتقول: « لم تسلم المرأة العاملة رغم كل مسؤولياتها من الوقوع فريسة لنفس الصور النمطية فأكثر صورة تطاردنا كسيدات عاملات هي أننا نفتقد للأنوثة بسبب تحملنا المسؤوليات بجدية مثل الرجال ونلتزم بالمظهر العملي البسيط، وتحاصر هذه الادعاءات التي يتم تعميمها، المرأة العاملة أيضاً وأحياناً يتم وصفها بأنها غير مهتمة ببيتها وأولادها لحساب مستقبلها الوظيفي ورغبتها في تحقيق الذات. وتؤكد شيماء العلي بأن الأحكام المطلقة أيضاً تلاحق المرأة الجميلة التي تهتم بالموضة والرشاقة والجمال وتقول: إن اهتمام المرأة بأناقتها وجمالها أحياناً يعرضها لأحكام بالسطحية وضحالة التفكير وتدني مستوى الذكاء والثقافة، في حين أن مجرد الاطّلاع على أحدث صيحات الموضة والأناقة والصحة والجمال هو نوع من الثقافة والاطّلاع.
«الأحكام المطلقة».. شبح يطارد النساء
6 مارس 2020
02:53 صباحا
قراءة
4
دقائق
تحقيق: مها عادل