بدع في الجنائز والمدافن لا يقبلها العقل

الإسلام يشدد على البساطة وينهي عن النواح ولطم الخدود
12:40 مساء
قراءة 8 دقائق

رغم أن الموت هو الحقيقة الكونية الكبرى المؤكدة في حياة بني الإنسان، ورغم أن حمل الإنسان إلى مثواه الأخير فيه من العظات والإيمان وهول المصاب ما فيه، إلا أن بعض المسلمين حول الجنائز إلى مناسبات للمفاخرة والابتداع وتكريس بعض المعاصي والتقاليد التي أبعدت المناسبة عن جلالها ودلالاتها في الدنيا والآخرة . فنحن نرى كثيرا الإسراف في مظاهر التعازي والنشر في الصحف وإقامة السرادقات والموائد وبناء المقابر الفاخرة، ونسج هالة على بعض الموتى بادعاء طيران النعش عند التشييع . والسؤال دائما: لماذا حول بعض المسلمين والمسلمات هذا الموقف إلى مناسبة لارتكاب المخالفات الشرعية؟ وكيف نعيد إلى سلوكيات المسلمين وأخلاقهم سنن الإسلام وآدابه في تشييع الجنائز والصبر عند المصائب والجهاد في الأحياء ورعايتهم؟

الدكتور عبدالحكم الصعيدي أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر يأسف لوقوع بعض المسلمين في مخالفات شرعية شتى تصاحب الوفاة والجنائز .

ويقول: أول هذه المخالفات هي المبالغة في الأحزان وعدم الصبر على المصائب والتعامل مع الموت على أنه حالة استثنائية مع أنه ليس هناك كائن حي أو أي شيء كما يقول القرآن ليس ميتا: كل شيء هالك إلا وجهه .

وقد ترتب على هذا، المبالغة في الحداد أو لبس السواد أو لطم الخدود والعويل والبكاء الحاد .

الإسلام في معالجته لهذه المخالفات كان واضحا وواقعيا إلى أبعد مدى .

فالإسلام قدم الموت للإنسان كقرين للحياة بل سابق له: هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، ومن ثم فالموت قدر لا راد له: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم .

وعند وقوعه حثت شريعة الإسلام على الصبر وتحمل المصاب ونذر الميت واحتسابه لله، والسنة الكونية والشرعية العامة أوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل قوله: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه، وعند الموت يصبح لسان حال المؤمن كما قال القرآن: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .

البكاء والعزاء

لهذا نهت السنة عن المبالغة في البكاء أو التلفظ ببعض الألفاظ التي قد تعكس التبرم من قدر الله، ففي الصحيح أن رسول الله قال: إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه .

وهذا هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: إن الميت ليعذب ببكاء الحي وهو البكاء المبالغ فيه الذي يشير إلى عدم الرضا بقدر الله وليس الحزن الطبيعي الذي يحزنه الإنسان لفراق من يحب .

وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه البخاري ومسلم عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا ننوح، كما عده الرسول من علامات الجاهلية التي قد يقع فيها نفر من أمته .

كما حددت الشريعة مسألة الحزن والحداد على الميت، فمن السنة أنه لا حد بعد ثلاثة أيام، كما أنه لا عزاء مقصود بعد ثلاثة أيام، وقد يتم بشكل عرضي أو إذا كان هناك مانع منع المواساة والتعازي، وما فوق هذا ليس من السنة وغير مقبول شرعا إلا من الزوجة حيث أجاز الرسول للزوجة أن تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرا، وهي فترة الحداد وفترة العدة الشرعية .

كما نهى الإسلام بشكل قاطع عن لطم الخدود كتعبير عن الحزن الذي قد يستشعره أهل الميت، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم في رواية الترمذي وغيره: ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية .

فواجب المسلم أن يصبر ويقاوم مظاهر الحزن ويندفع نحو العمل الصالح والانشغال بجهاد النفس وتقوى الله ولا يقع في بعض المخالفات التي تفقده ثواب الصبر على المصاب الذي يجب أن يتلمسه المؤمن بمثل هذا الدعاء: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها .

السرادقات والنشر في الصحف

ويضيف الدكتور الصعيدي الحقيقة أن تقاليد الجنائز بعضها حسن وبعضها ليس له سند من السنة وبعضها مباح من حيث المبدأ، ولكن المبالغة والمفاخرة فيه قد تحوله إلى عمل غير مقبول شرعا .

فالتعازي أمر مشروع وفيها تسرية عن أهل المتوفى وبالتالي فإن إقامة السرادقات لتلقي التعازي في تصورنا ليس فيه شيء لأنه يحبب الناس بعضها ببعض، ويهيئ الفرص للمواساة المشروعة أو التصبر المحمود، كما أن ظروف الناس في بيوتهم ومساكنهم تجعل تخصيص أماكن لتلقي العزاء من الأمور المهمة.

ولكن غير المقبول هو التكلفة المادية والمعنوية الكبيرة التي قد يتحملها أهل بعض الموتى، وما قد يصاحب هذه السرادقات من مشروبات أو مفروشات أو مأكولات، والسنة هنا هي عدم الإسراف ومراعاة أهل الميت وسداد ديونه والإنفاق على أولاده، بل من المعاني الإنسانية والشرعية أن الرسول حث على تجهيز الطعام لأهل المتوفى وليس إجهاده بالأكل عنده وتحميله النفقات، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وفاة جعفر قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنه قد أتاهم أمر يشغلهم .

والعلماء يرون كراهة هذا الفعل ولكن كما قال ابن قدامة: إن دعت الحاجة إلى ذلك جائز، أي يجوز لأهل المتوفى أن يصنعوا طعاما .

أما قراءة القرآن في سرادقات العزاء، فمختلف عليها ما بين الإباحة والمنع، ولكن في رأيي أن بواعثها وأهدافها وما يترتب عليها هي التي تحكم بشرعيتها أو عدم شرعيتها .

فعندما يكون هدف قراءة القرآن تذكير الناس بكتاب الله وأحكامه، وتتم في جو من السكينة والوقار، ولا يصاحبها شيء من المخالفات ولا يترتب عليها نفقات مرهقة لأهل الميت، فلا مانع من ذلك شرعا، كما أن وهب ثواب القراءة والدعاء للميت من الأمور المسنونة، إذ ثابت أن رسول الله قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له .

والقرآن دعاء نسأل الله أن يكون من عمل المتوفى الذي لا ينقطع .

ولكن عندما يصاحب قراءة القرآن المفاخرة بالمال أو باستئجار كبار المشايخ أو لا تتحقق فيها النية والدعاء أو يحدث حولها ما لا يتفق مع جلال الموقف، فان ترك القراءة أولى .

أما الإعلان في الصحف عن وفاة الميت فلا شيء فيه إذا كان الهدف إعلام الناس بالوفاة وبحضور الدفن وربما استيفاء حقوق كانت على المتوفى .

ولكن الإسراف في التعازي والمدح والتفاخر بأنه نسيب فلان وقريب علان ورصد الذين جاملوا أهل الميت لرد المجاملة في الأحزان القادمة، مثل هذا يعد من الأمور غير المستحبة التي لا يستفيد بها المتوفى ولا الفقراء وقد تفتح بابا للحسد والغيرة بين الأقارب والورثة، ويا ليت هذا المال يوجه الى مشاريع وصدقات جارية تفيد الناس وتفيد المتوفى، ولا توقع الناس في شبهات شرعية، ولابد من الاشارة هنا الى ان النشر في الصحف تصاحبه نفقات مادية باهظة قدرتها احدى المؤسسات البحثية في مصر بما يعادل نحو الملياري جنيه .

المغالاة في الأكفان

من جهته يشير الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق إلى بعض البدع التي تصاحب عملية تشييع الجنازة وما قبلها فمغالاة البعض في الكفن من الأمور المنهي عنها شرعا، كما أن بعض الناس يكفنون الميت باللون الذي كان يحبه حال وفاته، والبعض الآخر يكفن الرجال بالحرير الفاخر .

والسنة النبوية عكس هذا، فاللون المسنون في الكفن هو اللون الأبيض، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: البسوا من ثيابكم البيض فإنها خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، فالألوان الأخرى مخالفة للسنة إلا إذا تعذر اللون الأبيض لسبب ما .

والسنة البساطة وعدم التباهي بالكفن، وروي أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا تغال في كفن، فإني سمعت رسول الله يقول: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا . كذلك لا يجوز تكفين الذكور بالحرير فكما ان الحرير محرم على ذكور أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا فإنه محرم أيضاً في مدخل الآخرة وهو القبر، ومع الإناث فرغم أن الحرير كان حلالاً لإناث أمة محمد فإنه يدنو من التغالي المخالف للسنة الشرعية، إذا كفنت به الأنثى .

ومن أنكر البدع في الموضوع يضيف الشيخ محمود عاشور ما يشيعه البعض من أن روح الميت تطلب طلبات معينة، والبعض يدعي أن نعوش بعض المشايخ أو الأولياء المتوفين تسرع، والبعض يعتبر بطء النعش أو وقوفه لفترات دليلا على تعلق الميت بالحياة وحبه لبعض الأحباء، بل سمعنا في هذا مقولات حول عودة الروح الى بعض الأموات في النعوش، أو في القبور، وطلبهم بناء مدافن خاصة لهم بعيدا عمن يجاورونهم في المدافن .

وهي خرافات مصدرها الاحياء الذين يحاولون استغلال هذا الكلام لتحقيق مصلحة خاصة أو لوراثة رئاسة المشيخة، أو تغطية بعض السلوكيات والمعاصي التي كان المتوفى عليها قبل الموت .

كما أنها خرافات ترجع إلى الجهل بسنن الإسلام وحقائقه، فالموت هو مفارقة الحياة والحياة لا يعرف غير الله مستقرها، ولا صلة لها مباشرة بالبدن بعد الموت، ولا قدرة لأحد على التعامل معها وعليه فلا معنى لما يشاع في هذا الموضوع من اتصال الروح بالمشايخ أو بالأموات أو بالأحياء .

ولو كان طيران النعش له دلالة على إيمان المتوفى لكان نعش صاحب الرسالة عليه السلام أو صحابته رضي الله عنهم أولى بهذا .

وما ورد في هذا الموضوع هو ما ذكره الرسول من إسراع الإحياء بدفن الميت أي عدم الإبطاء وهو نوع من التكريم لابن آدم والتعجيل بدفنه وليس فيه دلالة على التقوى .

وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام: أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونه إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم (رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة) .

طعام للأموات!

وامتداداً لهذه البدع ينبه الشيخ عاشور إلى بعض المخالفات المصاحبة لبناء المقابر وزيارتها خاصة ما يتعلق بالمفاخرة بالمباني وتجميلها وتلوينها وكتابة بعض العبارات التي لا تتفق مع جلال الموقف، بل إن زيارة المقابر يصاحبها أيضا بعض المخالفات المنكرة بالاضافة الى ما نشاهده من البكاء والنواح والجلوس على المقابر، وهناك بدعة رأيتها بعيني وأنا صغير، وهي أن بعض السيدات يوزعن الأطعمة على المقابر ويقمن بدفن بعض المأكولات في المقبرة حتى يأكل منها المتوفى، وهذا والله جهل كبير، وتضييع للمال من دون فائدة دينية أو دنيوية .

إن سنن الإسلام في هذا شديدة البساطة والفائدة في الآخرة والدنيا، فاللحد أولى من الشق، وفي الحديث: اللحد لنا والشق لغيرنا . والشق يشبه التعلية البسيطة، ومن ثم لا مفاخرة بالبناء والنقوش، وامتهان المقابر أو الجلوس عليها لا يجوز، وبناء المساجد عليها لا يجوز .

وعند الزيارة ثمة سنن عديدة يجب الالتزام بها من بينها الاتعاظ والدعاء وغرس الشجرة الرطبة، أما مسألة توزيع الأطعمة فيجب أن يحدث لو حدث بهدوء ووقار من دون امتهان للنعمة أو للفقير أو شبهة الإطعام لغير الله، ولعل هذه الشبهة هي التي جعلت العلماء يحرمون النذور للقبور وبناء المساجد وكذا الذبح عند المقابر .

وهكذا يشدد إسلامنا على سنن البساطة والإيمان بعيدا عن التكلف والبدع والخرافات .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"