بليغ حمدي الموسيقار المتدفّق

عرف بغزارة إنتاجه رغم قصر عمره الفني
02:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

لعل الصفة التي ميزت بليغ حمدي أكثر من غيرها وسط زملائه من عباقرة الموسيقى العربية في القرن العشرين أنه كان من أغزرهم في تلحين الأغنيات، إن لم يكن أغزرهم، وأكثرهم تنقلاً بين مختلف الأصوات الغنائية الشهيرة من أكبرها أم كلثوم إلى أصغرها .

فعل بليغ حمدي كل ذلك، مع أن عمره الذي توقف في مثل هذه الأيام قبل ثمانية عشر عاماً، لم يتجاوز السنوات الثلاث والستين، يمكن أن نحذف منها السنوات الخمس الأخيرة، التي عاشها الفنان الكبير في حالة اكتئاب نفسي شديدة دفعته إلى التوقف النهائي عن التلحين، بسبب جريمة القتل التي ارتكبها أصدقاؤه في منزله بالقاهرة، وكان عليه قانونياً أن يدفع ثمنها سنوات من الاغتراب عن مصر، والاكتئاب داخل مصر بعد عودته، وكل هذه الفترة الأخيرة كانت سنوات جدب موسيقي .

بدأ بليغ حمدي يلفت نظر وسمع زملائه من كبار الموسيقيين، حتى قبل أن يتوغل في إبداعه الموسيقي .

ففي البداية، أحس بموهبته المبكرة الموسيقار والمطرب محمد فوزي، الذي كان يستعد لتحضير لحن لأم كلثوم، لكنه من شدة إيمانه بالموهبة الصاعدة للملحن الشاب بليغ حمدي (وكان لم يبلغ الثلاثين من عمره بعد)، قام بتعريف أم كلثوم على بليغ حمدي، فكانت ثمرة التعارف لحنه الأول لها حب إيه .

محمد عبدالوهاب كان يقول عن بليع حمدي إنه طفل عبقري، يلهو بأصابع قدميه بكنز من حجارة الماس .

محمد الموجي قال لي عندما سألته عن بليغ حمدي، في منتصف عقد الستينيات: هذا الرجل دماغه مليئة بالموسيقى، لكنه مستعجل قوي .

كمال الطويل قال لي عندما سألته رأيه عن النمط الشعبي المسيطر في موسيقى بليغ حمدي، مذكراً بعض الشيء بسيد درويش: لقد قامت الأجهزة الثقافية في عهد عبد الناصر بعمل جبار في تجميع كل الألحان الفولكلورية المصرية، من كل قرى مصر، وتسجيلها في متحف للموسيقى الشعبية، فكان بليغ حمدي أكثرنا نشاطاً في الاطلاع على كنوز هذا المتحف والإفادة منها .

بداية بليغ حمدي مع الشهرة الجماهيرية، كانت مع صوتين لامعين: فايدة كامل وفايزة أحمد، لكنه سرعان ما انتقل إلى عبد الحليم حافظ ونجاة الصغيرة وشادية ومحمد رشدي، حتى وصل إلى أم كلثوم قبل بلوغ الثلاثين من عمره، وأصبح بعد ذلك ملحناً موسمياً لها، إلى جانب العملاقين رياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب، حتى إن آخر ما سجلته أم كلثوم على أسطوانة في العام ،1973 كان لحناً لبليغ حمدي: حكم علينا الهوى، وماتت بعد سنتين دون تقديمه في حفلة حية، لاشتداد المرض عليها .

من أشهر المواسم الفنية للموسيقار المتدفق بليغ حمدي، موسمه مع المطربة الكبيرة وردة، التي ارتبط معها بالزواج بعد عودتها إلى القاهرة في العام ،1972 مفتتحاً هذا الموسم الخصب بلحنه الشهير العيون السود، بعد ذلك زود بليغ حمدي حنجرة زوجته وردة بمجموعة من أجمل أغنياتها، من أشهرها بلاش تفارق، وكذلك أغنية بودعك التي لحنها لوردة بعد عودته من الاغتراب القسري، وبعد أن طلقها بسنوات، لكن ذلك لم يكن من أنجح ألحانه، لأنه كتبه تحت ضغط الاكتئاب النفسي .

من أشهر مواسم بليغ حمدي أيضاً، مواسمه الطويلة مع عبد الحليم حافظ منذ البدايات الأولى: خسارة خسارة وتخونوه، إلى المطولات الشهيرة مثل موعود وأي دمعة حزن لا .

لكن أشهر ما حصل فنياً بين بليغ حمدي وعبد الحليم حافظ، هو أن الموسيقار الشاب انطلق يزود حنجرة محمد رشدي أيضاً بمجموعة من روائع الألحان الشعبية، التي لاقت رواجاً جماهيرياً مدوياً، في كل دنيا العرب، ومن أشهرها لحن عدوية .

هذا النجاح الجماهيري الكاسح لهذا النمط من الغناء الشعبي، أثار غيرة عبد الحليم حافظ، فظل يلح على صديقه حتى بدأ يزوده بألحان مشابهة في نفسها الشعبي، مثل التوبة وعلى حسب وداد وسواح وجانا الهوى، نافس بها عبد الحليم حافظ شعبية محمد رشدي .

لكن أشهر وأنضج مواسم بليغ حمدي الفنية كانت بلا شك لقائاته السنوية المتكررة مع كوكب الشرق أم كلثوم، في أغنيات ما زال الجمهور يرددها حتى يومنا هذا، مثل سيرة الحب، وبعيد عنك، والف ليلة، لكن في المقابل لا يجوز أن ننسى أن بليغ حمدي زود حنجرة أم كلثوم بلحن نشيد رائع في الأيام الأولى التي تلت نكسة ،1967 هو نشيد سقط النقاب عن الوجوه الغادرة، الذي يعتبره النقاد من أقوى ما لحن بليغ حمدي في حياته، على قصره .

هذا الفنان المتدفق بالموسيقى والغناء، كان يخاف الموت الباكر منذ شبابه، كما حصل لوالده، لكن هذه الفكرة السوداء تحققت بشكل مختلف، فامتد به العمر حتى جاوز الستين، لكنه انتهى بسنوات من الاكتئاب، كانت سنوات جافة في حياة هذا الفنان الذي تميز، طوال حياته بغزارة فنية قل نظيرها .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"