هناك نوعان من الكوارث: بشرية وطبيعية، الأولى تكون من صنع الإنسان مثل الحوادث والعمليات الإرهابية وانهيار الانشاءات . والكوارث الأخرى هي ازمات من صنع الطبيعة مثل الزلازل والكوارث المتعلقة بالطقس، وهذه لا دخل للإنسان فيها . وشهد القرنان الماضي والحالي العديد من الكوارث البشرية والطبيعية اشهرها كوارث تسونامي وتشرنوبيل وسيول عمان وأحدثها زلزال هايتي، ناهيك عن الفيضانات والسيول والأوبئة التي عصفت بالعالم .
ورغم ذلك كله، لا يوجد تخصص جامعي عن إدارة الأزمات إلا مساق اختياري في مادة معينة قد يختارها الطالب أولاً . في المقابل تعنى الجامعات الغربية كثيراً بهذا المجال، وهو ما يطرح أسئلة كثيرة .
د . عبدالله الشامسي عضو هيئة تدريس في جامعة الإمارات، أشار الى عدم وجود مادة عن إدارة الأزمات بأي جامعة في الدولة، مستدركاً أنه توجد مساقات اختيارية في بعض المواد كثقافة عامة تشمل قضايا مختلفة حول الأزمات وأنواعها .
وأكد أن وتيرة التعليم اليوم أفضل من السابق بكثير، وان التعليم يؤهل الطالب للواقع ولكنه لا يجهزه . وأوضح أن التأهيل يعطي الطالب الأساسيات ليتعامل مع المستجدات بشكل مناسب ولكنه لا يجهز الخريج للتعامل مع الواقع، وهنا تكمن المشكلة، في رأيه .
ولفت الى ان الفجوة تحدث لعدم تفهم الحياة العملية أو العاملين فيها لثقافة إدارة الأزمات وثقافات أخرى متنوعة . وقال: هذا يعود الى أن الاعتماد يبقى على الطالب، لأنه بنظر الكثيرين قادر على تأدية دوره بعد تخرجه مباشرة وهذا خاطئ . لذا يجب أن ينظر عملياً الى هذا الأمر ويحكم على الطالب بأنه بحاجة الى التأهيل العلمي لفترة من الزمن لتقوي من أدواته الاكاديمية .
ورأى د . عبدالله الشامسي أنه من المناسب ان تطرح مواد عن الأزمات من كل التخصصات وتكون جزءاً من متطلبات الجامعة في قضايا الثقافة العامة، ولتعطي الطالب كل المعلومات . وقال: قد يشارك في تدريس هذه المادة أكثر من أستاذ فمثلاً يدرس أستاذ الجيولوجيا موضوعات حول البراكين والزلازل، ويستعان في القضايا الصحية بأستاذ من كلية الطب الخ . . أي اننا بحاجة الى فريق يتعاون على تثبيت هذه المادة بشكل متكامل .
المهندس رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي أشار الى أن برنامج القيادات الشابة والذي يطبق على مستوى حكومة دبي والادارات الاتحادية ينظم دورات عن فن إدارة الأزمات وذلك منذ عامين وقال، انطلق هذا المشروع بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وجميع الموظفين بدبي عليهم أن يخضعوا لهذه الدورات .
وأضاف ان وجود تخصص في مجال إدارة الأزمات من شأنه أن يستطلع المستقبل والمشاكل الممكن حدوثها أو توقعها وبالتالي وضع البدائل لها قبل وقوعها، بدلاً من انتظار قدومها ومن ثم البحث عن حلول لها . ورأى أن هذه نقطة في غاية الأهمية، وأنه من الضروري جداً توفر أشخاص اداريين سبق لهم وأن تخصصوا في هذا المجال وعملوا كمديرين ومسؤولين، وذلك لمواجهة أي أزمة بكل نجاح . ولفت الى أن هذا التخصص موجود في جامعات أمريكا وأوروبا خاصة وان الكثير من الكوارث الطبيعية والأزمات زادت كثيراً في العقود الأخيرة .
وأكد سالم القصير نائب مدير الجامعة الأمريكية بالشارقة للشؤون العامة أهمية توفر دراسة أو تخصص عن إدارة الأزمات في مختلف الجامعات ليتوفر مجموعة من الدارسين والمختصين بهذا المجال يستطيعون أن يلبوا الاحتياجات أو ينفذوا المهام المطلوبة في هذا الخصوص .
وأشار القصير الى أنه تسلم مؤخراً رسالة من وزارة التعليم العالي طالبت بوضع برامج نوعية ومحاضرات عن إدارة الأزمات والكوارث في الجامعة ولكل الطلبة، وهو ما تعتزم تنفيذه .
وأضاف: قد تكون هذه البرامج الخطوة الأولى في وضع مادة اكاديمية قائمة بحد ذاتها في المؤسسات الاكاديمية، ولا بأس أيضاً بالبدء ببرامج ضمن تخصص، لأن هذا الموضوع متشعب في كثير من المجالات الاقتصادية والإعلامية والصحية والاجتماعية وغيرها .
د . محمد عايش أستاذ في كلية الاتصال الجماهيري بجامعة الشارقة أكد ما جاء في الآراء السابقة حول أن ثقافة إدارة الأزمات يحصل عليها الطالب على شكل مساقات اختيارية . وأكد في الوقت ذاته أن تخصص إدارة الأزمات والكوارث في غاية الأهمية، خاصة أن الإعلام على علاقة به، وبالتالي فإن ظروف العالم الحالية تستدعي وجوب هذه الدراسة لما شهده بالعقد الأول من القرن الحادي والعشرين من كوارث طبيعية وأزمات اقتصادية وكوارث من صنع البشر كلها تحتم بالفعل الاهتمام بكيفية التحكم فيها .
ورأى عايش أن الاهتمام يجب ألا يكون على مستوى الجامعات والمؤسسات الاكاديمية فقط، بل على الجميع من سياسيين واعلاميين واقتصاديين، وينادي بعدم الاكتفاء بإجراء بعض الدورات التدريبية لأن الأزمات وادارتها بحاجة الى تخطيط واستعدادات وتقييم موارد واشراف .
وأضاف: عندما نقول توجد إدارة للأزمات، فهذا يعني أنه لدينا جاهزية لمواجهة أي مشكلة من صنع الطبيعة أو من البشر، وبالتالي نوفر على أنفسنا الكثير من الأوضاع الكارثية التي تحدث بشكل مفاجئ، ولا نعرف كيفية التعامل معها . ووجود رؤية إدارية يخفف من الأضرار .
وبرأي د . محمد عايش فإن من يدرس هذه المادة يجب أن يكون ملماً بالتخطيط الاستراتيجي والادارة، وأن يتفرع من هذه الدراسة موضوعات متفرقة تحت عنوان عريض وهو ادارة الأزمات تدخل فيه جوانب إنسانية وأمنية واقتصادية وإعلامية .
د . حسان محمد سليم رئيس قسم إدارة الأعمال ونظم المعلومات الادارية بجامعة الإمارات أشار ايضاً الى عدم وجود تخصص الإدارات والأزمات والكوارث، وأن موضوعاته موزعة على مساقات يختارها الطالب اذا أراد في عدة تخصصات منها إدارة الأعمال والإعلام والاقتصاد .
وأكد ان هذا العلم من التخصصات العالمية التي لها أهمية في البرامج الاكاديمية في الدول الكبيرة التي تزداد فيها الأزمات والمشاكل المالية والاقتصادية وحتى الثقافية والطبيعية كالكوارث . ورأي أنه لا يوجد مدير ناجح من دون دراسة أو التعرف إلى كيفية ادارة الأزمات، مرجعاً عدم الاهتمام بهذه المادة في الوطن العربي لعدم وجود احتياجات للآن .
ودعا اجراء دراسات وبحوث حول حاجات السوق والربط ما بين الاطراف المعنية بالأمر ومن ثم طرح إدارة الأزمات كمادة علمية لتحقيق الاستفادة، ورأى أنه في بلد متطور كالإمارات عندما تطرح مادة جديدة على مستوى الجامعات فإن الطلبة يقبلون عليها لأنهم يفضلون التخصصات الجديدة لأن فرص العمل تكون أكثر .
نقل تجارب الآخرين
فاطمة المنصور خبيرة في المجال المصرفي اشارت الى عدم وجود إدارة أزمات بالرغم من انها أحد المتطلبات الأساسية لأي اقتصاد بالعالم .
وقالت ليكون الاقتصاد ناجحاً يجب أن يتوفر طاقم من الخبراء واللجان لإدارة هذه النوعية من الأزمات .
ورأت أنه يجب أن يكون هناك تخصص أكاديمي وعدم الاكتفاء بمساق أو برنامج أو ما شابه واستحداث تخصص كامل يدرسه مختصون قادرون على رفد الطالب بمعلومات عن التجارب الأخرى والدراسات التي قامت بهذا الشأن في الدول التي سبقتنا في ادارج هذا التخصص في برامجها الاكاديمية .
وأشارت الى أن جيل اليوم لديه الاستيعاب والدراية والخبرة الكافية فيما يتعلق بالأزمات، ولكن الأمر على الصعيدين العملي والاكاديمي غير مطروح . وأضافت: هنا تكمن ضرورة توجيه الطلاب من المراحل الثانوية الى هذه الثقافة والتعايش معها والقدرة على ايجاد مخارج وحلول لها وليس الانتظار حتى يتخرج الطالب في الجامعة . ودعت فاطمة المنصور الى إعادة النظر بالمناهج ومرونتها بحيث تتجاوب مع حاجات السوق لتساعد الدولة في امتلاك فئات جيدة قادرة على المواجهة بمثل هذه الظروف .