الذيد واحة تحكي قصة حضارة

الأشجار والكثبان ترسم صورتها الزاهية
06:57 صباحا
قراءة 6 دقائق
الذيد - مصعب شريف:
الطريق إلى مدينة الذيد بإمارة الشارقة محاط بالشجيرات الخضراء التي ترسم لوحة زاهية مع الكثبان الرملية المترامية، في مشهد خلاب تتكاثف خضرته كلما اقتربت من الذيد (الواحة)، التي تبعد حوالي 30 ميلاُ إلى الشرق من مدينة الشارقة . أقل من ساعة كان وقتاً كفيلاً بأن نصل عبر طريق الذيد المرصوف بعناية فائقة، وكلما اقتربنا من المدينة كانت ملامحها تتضح لنا، لتحكي سيرتها الخاصة، كملتقى طرق ومدينة قديمة تمزج مابين الأصالة والحداثة في معاصرة بديعة تحكي عنها قلاعها التراثية المتراصة جنباً إلى جنب مع الطرز المعمارية الحديثة في تناسق فريد، إليها ذهبنا لنشم رائحة التاريخ وإلى هدوئها المميز أنصتنا حيث تمضي وتيرة الحياة بنمط يعبر عن روحها . عبر سطور مقبلة ننقل تفاصيل رحلتنا إلى الذيد .
أهم ما يلفت النظر حزام من أشجار النخيل التي تعانق بعضها على جانبي الطريق يمنة ويسرى، في مشهد يعكس قيم التكاتف والتعاضد التي تحكيها سيرة المدينة وقيم أهلها .
هكذا تكشف الذيد الهادئة عن معالمها، حيث تنتشر المحال التجارية المتنوعة وفروع المصارف إضافة إلى سوق الذيد المغطى . وعند دوارها الثاني تفترق الطرق الواسعة يساراً حيث يصل الطريق المسفلت إلى فلج المعلا ويمينا حتى الساحل الشرقي عبر منطقة المزارع والسهل الرملي . وعلى الطريق الذي يمتد إلى مليحة من الناحية الأخرى يقع مضمار سباق الهجن، الذي يستضيف منافسات الهجن طوال شهور الشتاء، عادة في يومي الخميس والجمعة خلال الفترة الصباحية . ويقدم مستشفى الذيد الخدمات الطبية لسكان مدينة الذيد والمناطق المجاورة لها .إضافة لمجموعة من العيادات المنتشرة في مختلف أرجاء المدينة . وهكذا تعتبر مركزاً رئيسياً ومهماً لتسويق منتجات المزارع من الخضراوات والفاكهة وغيرها، حيث يؤهلها موقعها المتميز لتصبح مركزاً تجارياً ونقطة التقاء .
وتعتبر الزراعة والرعي من المهن التي يمتهنها أهل المنطقة منذ القدم، ويزخر سوق المدينة النشط بجميع المنتجات الزراعية والحيوانية، التي تعتبر من الأساسيات .

ثمار النخيل

الذيد "عروس المدائن" التي تزدان بالمباني الفخمة والطرق الواسعة، لم تكن كذلك قبل إعلان الاتحاد وفقاً لوصف مصبح بن جاسم الطنيجي، أحد مواطني المدينة، الذين كانوا شهوداً على مراحل تطورها، وأبان الطنيجي أن الذيد الواحة كانت ملتقى للإماراتيين من مختلف إمارات الدولة خلال فصل الصيف، حتى أن أهلها يغادرونها فور انجلائه، مشيراً إلى أن ما تتمتع به من جو جميل هو الذي أهلها لكي تكون مصيف لأهلها، حيث يقطف مواطنها ثمار النخيل ويقومون بتخزينها خلال فصل الصيف، ثم يغادرونها للبر مع قطعانهم ليعودوا إليها في الصيف المقبل، مشيراً إلى أنهم كانوا يقطنون في خيام، ليبين أن الوضع تبدل تماماً عقب إعلان الاتحاد، حيث تم تعمير المنطقة وتوزيع المساكن على أهلها . ويتابع: الآن تبدل كل شيء للأفضل بفضل جهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة،الذي نهض بالمدينة، ووفر لمواطنيها مرافق خدمية ممتازة وطرقاً واسعة، وأنماطاً زراعية حديثة في البيوت المحمية ونظم الري بالتنقيط وغيرها من المشاريع التي يعتزم إقامتها لتطوير المدينة . مبيناً أنهم أضحوا يزرعون أصنافاً أخرى، مشيداً بجهود الدولة في اهتمامها بالقطاع الزراعي، حيث يحذو قادتها حذو الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في تشجيع الناس للمحافظة على نخيلهم وتحسين إنتاجه عبر مجموعة من المشاريع .
تمتاز مدينة الذيد بإرث كبير من المواقع والشواهد التاريخية المهمة، لتحكي هذه الشواهد التاريخية عن حياة مواطنيها منذ عدة قرون، فتبرز خصوصيتها وتفاصيل ثقافة أهلها، وتعتبر القلاع والحصون والأبراج أبرز هذه الشواهد على إرث إنسان المنطقة، ويعتبر حصن الذيد أحد أهم هذه المعالم، فهو أقدم المباني التاريخية في المنطقة، وقد شهد ملامح تأسيس الذيد، لأن تاريخه يعود إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي (حوالي 1750 ميلادية) وكانت الحصون والقلاع التي بناها أهل المنطقة بمثابة أبراج دفاعية عن التجمعات السكنية ومحطة للحماية والمراقبة، كما كان الحصن استراحة للحاكم في أثناء قدومه لرحلات القنص أو المصيف، وكذلك لاستقبال الزوار، وكانت القلاع تضم غرفاً مخصصة للحاكم، والحراس، وأغلبيتهم من أبنائها الذين يذودون عنها .

نواكب التطور

المزاوجة مابين الطبيعة البدوية المحلية والتطور العمراني الحديث، هي سر تميز مدينة الذيد، وفقاً لمحمد جعفر سهيل الكتبي، أحد أبنائها ورئيس قسم الصحة العامة بالبلدية، الذي يبين أن رؤية سمو الحاكم الثاقبة أفلحت في المحافظة على ملامح الذيد ومواكبتها في نفس الوقت للتطور العمراني، ويدلل الكتبي على الأمر بالسياسة التي تم اتباعها للمحافظة على المحميات الطبيعية، وأبرزها محمية البردي التي تحولت لمنتزه البردي، بما يحافظ على اتزان المنطقة بمراعيها وحيواناتها وتنوعها الطبيعي .

منخفض للبساتين

تتميز المنطقة بأراض خصبة ومزارع عديدة وتكثر فيها المياه . وتمثل منخفضاً واسعاً من الأرض تنتشر فيه البساتين والمزارع الكبيرة وتعد واحدة من أبرز المراكز الزراعية في الإمارات . تحفها الخضرة من جميع جوانبها وهي موعودة بالمزيد من مشاريع التطوير، بحسب محمد عبيد بن مطار الطنيجي وهو عضو بالمجلس البلدي للمدينة، الذي أشار إلى أن البنية التحتية من طرق ومساكن، وغيرها من المشروعات التي أعلن عنها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة تنعكس على حياة المواطنين بشكل مباشر، وتسهم في تنمية المنطقة بما يتماشى وتوجهات الدولة، في المحافظة على التراث ومواكبة العصر .

الحصون تحكي التاريخ

خليفة سيف الطنيجي نائب رئيس المجلس البلدي بالذيد يشير إلى أن الحصون التي تشتهر بها الذيد تحكي تاريخ المنطقة، مشيراً إلى أن أهمها قلعة القواسم، الموجودة حالياً في مقر الشرطة، وقد صدرت توجيهات من سمو الحاكم بإعادة ترميمها، ويبين الطنيجي أن الفلج، الذي كان الأهالي يستخدمون مياهه لري النخيل جف الآن، ليتم ضخ الحياة فيه من جديد بجهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ما جعلنا نتوجه توجهاً جديداً لتطوير المدينة، التي سيعاد تخطيطها حتى تصبح شبه منتزه كبير لأهلها وزوارها وذلك وفقاً لرؤية سموه، الذي كشف خلال زيارته الأخيرة لها والتي افتتح خلالها مبنى مكتبة الذيد العامة، عن عدد من المشروعات التطويرية الحيوية بالمدينة، خلال السنوات القليلة المقبلة . وتنوعت المشروعات التي شملت الطرق والإسكان والسياحة، وتلك التي تختص بالمنظومة التعليمية . وتعبيراً عن جهود سموه في توفير الحياة الكريمة لأبناء الذيد، استعرض أهم الوسائل المتبعة لتحقيق ذلك، ومنها توفير الوظائف، وتقديم المنح المباشرة من أراضٍ تجارية وصناعية وعقارات، فضلاً عن توفير أفرع للمؤسسات الحكومية تخدم المنطقة . . وتعرف إلى نظام التسجيل والاستعارة الإلكترونية . كما اطلع على مرافق نادي الذيد الثقافي الرياضي . وأمر بتحويل المدخل الرئيسي للجهة الشرقية .
وفي إطار حرص سموه على المتابعة المستمرة لأوضاع وأحوال أبنائه من مواطني الشارقة، التقى أبناءه من مدينة الذيد للاستماع إليهم، والوقوف على احتياجاتهم، وعلى متطلبات المدينة الموعودة بالمزيد من التطوير .

راشد النداس: نشاطات متنوعة

تقام بمدينة الذيد نشاطات متنوعة حيث تنظم أندية سيدات الشارقة عدداً من تلك الأنشطة، وكذلك نادي الذيد الرياضي وسلسلة المؤسسات الحكومية ذات النفع العام وعدد من مناطق الترفيه مثل الحدائق العامة والصالات الرياضية، ومراكز الناشئة، بالإضافة للمدارس بجميع مراحلها التعليمية والسارية التي تشكل إلى جانب الحصون أحد أبرز معالم المنطقة، بحسب راشد سالم النداس أمين سر المجلس البلدي، الذي يقول إن جميع الخدمات متوفرة بالمدينة من مواصلات وتعليم وصحة وكهرباء ومياه، كما أن المراعي كذلك متوفرة ومزارع خيرها وفير . مضيفاً أن الجيل الجديد من أبناء المنطقة وجد كل سبل الحياة متوفرة بفضل جهود سمو الحاكم، مردفاً أن الحياة في الذيد ثرية بأنشطتها الثقافية والاجتماعية المختلفة التي تضطلع بها المؤسسات والأندية المختلفة ويجد المسنون كذلك رعاية خاصة وفقاً للنداس، الذي يشير إلى أنهم ينظمون زيارات دورية لكبار السن في منازلهم، ويقدمون لهم جميع احتياجاتهم .
الذيد السهل المتشح بالخضرة، ذات نمط مدني حديث، يراعي خصوصية المنطقة وإرثها الثقافي الضارب في القدم، كما مضى لذلك محمد سالم الطنيجي، عضو بالمجلس البلدي، مشيراً إلى أنهم يستبشرون خيراً بالمشروعات التي ستتحقق في المدينة، مؤكداً تمسكهم بالتقاليد الأصيلة للدولة التي تعطي دليلاً واضحاً على البعد الإنساني، ويقول الطنيجي إن كافة شروط الحياة الكريمة متوفرة بالمدينة التي تضج بالحياة وتستشرف أفاق الغد بمجموعة من الخطط التطويرية التي سترى النور قريباً بما يلبي طموح المواطنين .
من يزور الذيد لايمكن أن يغادرها إلا وقد رسخت صور شتى في مخيلته بدءاً من حفاوة أهلها وكرمهم الفياض ومروراً بمعالمها التاريخية والحديثة التي ترسم في تمازج فريد صورة المدينة الوادعة التي ترقد في أحضان الرمال، وانتهاءً بشبكة الطرق الداخلية التي تربط أجزاء المدينة ببعضها البعض، وتربطها بغيرها من مدن إمارة الشارقة والإمارات الأخرى، لتشكل بؤرة حياة مفعمة بالحركة والنشاط، تستشرف مع صباح كل يوم آفاقاً جديدة، نحو مستقبل يليق بتاريخها العظيم، لتحكي للعالم قصة حضارة تزداد عراقتها .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"