لا يفضض الله فاك

00:50 صباحا
قراءة 4 دقائق
وردت أحاديث كثيرة،‮ ‬تتضمن فوز الكثيرين من الصحابة بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ويا سعادة من دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هؤلاء السعداء النابغة الجعدي‮. ‬

جاء في ‮«‬منتخب من كتاب الشعراء‮» ‬لأبي نعيم الأصبهاني:‮ ‬هو أبو ليلى،‮ ‬نابغة بني‮ ‬جعدة،‮ ‬وهو قيس بن عبدالله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.. النابغة الجعدي‮.‬
وجاء في‮ «‬أُسد الغابة» لابن الأثير‮:‬ النابغة الجعدي‮ ‬اختلف في‮ ‬اسمه،‮ ‬فقيل‮: ‬قيس بن عبدالله‮. ‬وقيل‮: ‬عبدالله بن قيس‮. ‬وقيل: حيان بن قيس، وقيل: عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري‮ ‬الجعدي،‮ ‬وقال الكلبي‮: ‬هو قيس بن عبدالله بن عدس بن ربيعة، واختلف أيضاً في‮ ‬نسبه،‮ ‬والذي‮ ‬ذكرناه أشهر ما قيل فيه،‮ ‬وإنما قيل له النابغة،‮ ‬لأنه قال الشعر في‮ ‬الجاهلية،‮ ‬ثم أقام نحو ثلاثين سنة لا‮ ‬يقول الشعر،‮ ‬ثم نبغ‮ ‬فيه فقاله،‮ ‬فسُمي‮ ‬النابغة‮. ‬وطال عمره في‮ ‬الجاهلية والإسلام،‮ ‬وهو أسن من النابغة الذبياني،‮ ‬وإنما مات الذبياني‮ ‬قبله،‮ ‬وعمّر الجعدي‮ ‬بعده طويلاً،‮ ‬وقيل‮: ‬عاش مئة وثمانين سنة. وقال ابن قتيبة‮: ‬عاش النابغة الجعدي‮ ‬مئتين وأربعين سنة،‮ ‬وهذا لا‮ ‬يبعد،‮ ‬لأنه أنشد عمر بن الخطاب: ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الإله هو المستآسا‮.. ‬فقال له عمر‮: ‬كم لبثت مع كل أهل؟ قال‮: ‬ستين سنة‮. ‬فذلك مئة وثمانون سنة،‮ ‬ثم عاش بعد ذلك إلى أيام ابن الزبير،‮ ‬وإلى أن هاجى أوس بن مغراء،‮ ‬وليلى الأخيلية‮. ‬وكان‮ ‬يذكر في‮ ‬الجاهلية دين إبراهيم والحنيفية،‮ ‬ويصوم ويستغفر،‮ ‬وله قصيدة أولها: «الحمد لله لا شريك له‮..‬ من لم‮ ‬يقلها فنفسه ظلما». وفيها ضروب من دلائل التوحيد،‮ ‬والإقرار بالبعث والجزاء،‮ ‬والجنة والنار‮. ‬وقيل: إن هذا الشعر لأمية بن أبي‮ ‬الصلت،‮ ‬وقد صححه‮ ‬يونس بن حبيب،‮ ‬وحماد الراوية‮. ‬ومحمد بن سلام،‮ ‬وعلي‮ ‬بن سليمان الأخفش للنابغة الجعدي‮ ‬ووفد على النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فأسلم،‮ ‬وأنشده قصيدته الرائية،‮ ‬وفيها: «أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى‮ ‬ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا‮ً». ‬

مع ابن الزبير

وقال علي بن الأشدق العقيلي‮ ‬سمعت قيس بن سعد بن عدي‮ ‬بن عبدالله بن جعدة‮ - ‬وهو نابغة بني‮ ‬جعدة‮ - ‬قال‮: «‬قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته قصيدتي الرائية» وهي‮ ‬قصيدة طويلة،‮ ‬وهي‮ ‬من أحسن ما قيل من الشعر. ولم‮ ‬يزل‮ ‬يرد على الخلفاء بعد النبي‮، ‬وكان شاعراً محسنا‮ً.‬
وجاء في‮ «‬المعجم الكبير» لأبي‮ ‬القاسم الطبراني‮:‬ عن عروة بن الزبير،‮ ‬عن أبيه،‮ ‬عن عمه،‮ ‬عن عبدالله بن عروة بن الزبير،‮ ‬قال‮: «‬أقحمت السنة نابغة بني‮ ‬جعدة فأتى عبدالله بن الزبير وهو جالس بالمدينة فأنشده في‮ ‬المسجد:

حكيت لنا الصديق لما وليتنا‮

                وعثمان والفاروق فارتاح معدم

وسويت بين الناس في‮ ‬الحق فاستووا‮

               فعاد صباحاً حالك اللون مظلم

أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى‮

              دجى الليل جواب الفلاة عتمتم

فقال ابن الزبير‮: ‬إليك أبا ليلى فإن الشعر أهون وسائلك عندنا،‮ ‬أما صفوة مالنا فلآل الزبير،‮ ‬وأما عفوته فإن بني‮ ‬أسد‮ ‬يشغلها عنك وتميما،‮ ‬ولكن لك في‮ ‬مال الله حقان حق لرؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬وحق لشركتك أهل الإسلام،‮ ‬ثم أمر به فأدخل دار النعم،‮ ‬وأمر له بقلائص سبع وحمل وخيل،‮ ‬وأوقر له الركاب براً وتمراً،‮ ‬فجعل النابغة‮ ‬يستعجل فيأكل الحب صرفاً، فقال ابن الزبير‮: ‬ويح أبي‮ ‬ليلى لقد بلغ‮ ‬به الجهد فقال النابغة‮: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: «‬ما وليت قريش فعدلت،‮ ‬واسترحمت فرحمت،‮ ‬وعاهدت فوفت،‮ ‬ووعدت فأنجزت إلّا كنت أنا والنبيون فراط القاصفين‮».‬

إلى الجنة

وعن فوزه بدعاء النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول أحمد بن حجر العسقلاني‮ ‬في‮ «‬المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية‮»:‬ حدثني‮ ‬الحسن بن عبيدالله،‮ ‬حدثني‮ ‬من سمع النابغة‮ ‬يقول‮: ‬أتيت النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فأنشدته قولي‮:

وإنا لقوم ما نعود خيلنا‮

                  إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا

وتنكر‮ ‬يوم الروع ألوان خيلنا من الطعن‮

                      حتى تحسب الجون أشقرا‮

وليس بمعروف لنا أن نردها‮

               صحاحاً ولا مستنكر أن‮ ‬يعفرا

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا‮

                وإنا لنبغي‮ ‬فوق ذلك مظهرا

قال‮: ‬فقال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: «‬إلى أين؟‮» ‬قلت‮: ‬إلى الجنة‮. ‬قال‮: «‬نعم إن شاء الله تعالى‮». ‬قال النابغة رضي‮ ‬الله عنه‮: ‬فلما أنشدته صلى الله عليه وسلم‮:

وَلَا خَيْرَ‮ ‬فِي‮ ‬حِلْمٍ‮ ‬إِذَا لَمْ‮ ‬يكن لَهُ‮

                  بَوَادِرُ‮ ‬تَحْمِي‮ ‬صَفْوَهُ‮ ‬أَنْ‮ ‬يُكَدَّرَا‮

وَلَا خَيْرَ‮ ‬فِي‮ ‬جَهْلٍ‮ ‬إِذَا لَمْ‮ ‬يَكُنْ‮ ‬لَهُ‮

               ‬أَرِيبٌ‮ ‬إِذَا مَا أُورِدَ‮ ‬الْأَمْرُ‮ ‬أَصْدَرَا

قال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: «‬لا‮ ‬يفضض الله فاك‮». ‬قال‮: ‬فكان رضي‮ ‬الله عنه من أحسن الناس ثغراً،‮ ‬وكان إذا سقطت له سن نبتت‮. ‬

وجاء في‮ «‬كنز العمال في‮ ‬سنن الأقوال والأفعال» للمتقي‮ ‬الهندي‮: ‬من طريق ابن النجار‮: ‬أن النابغة لما أنشد أبياته «وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً»، قال له النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: ‬أين المظهر‮ ‬يا أبا ليلى‮؟ ‬وفي‮ ‬لفظ‮: ‬فقال‮: ‬إلى أين؟ لا أم لك‮، ‬قلت: الجنة، فقال‮: ‬أجل إن شاء الله،‮ ‬فقلت: «ولا خير في‮ ‬علم إذا لم‮ ‬يكن له‮.. إلخ»، فقال لي‮ ‬رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: ‬أجدت لا‮ ‬يفضض فوك «مرتين»،‮ ‬فلقد رأيته بعد عشرين سنة ومئة سنة وإن لأسنانه أشراً كأنه البرد. أي‮ ‬الثلج من شدة بياضها وجمالها‮.‬

لقد فاز الجعدي‮ ‬بدعويين للنبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم، الأولى في‮ ‬الدنيا، وكانت في‮ ‬أسنانه والثانية في‮ ‬الآخرة وهي‮ ‬الجنة‮.‬

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"