جاء في «منتخب من كتاب الشعراء» لأبي نعيم الأصبهاني: هو أبو ليلى، نابغة بني جعدة، وهو قيس بن عبدالله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.. النابغة الجعدي.
وجاء في «أُسد الغابة» لابن الأثير: النابغة الجعدي اختلف في اسمه، فقيل: قيس بن عبدالله. وقيل: عبدالله بن قيس. وقيل: حيان بن قيس، وقيل: عمرو بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الجعدي، وقال الكلبي: هو قيس بن عبدالله بن عدس بن ربيعة، واختلف أيضاً في نسبه، والذي ذكرناه أشهر ما قيل فيه، وإنما قيل له النابغة، لأنه قال الشعر في الجاهلية، ثم أقام نحو ثلاثين سنة لا يقول الشعر، ثم نبغ فيه فقاله، فسُمي النابغة. وطال عمره في الجاهلية والإسلام، وهو أسن من النابغة الذبياني، وإنما مات الذبياني قبله، وعمّر الجعدي بعده طويلاً، وقيل: عاش مئة وثمانين سنة. وقال ابن قتيبة: عاش النابغة الجعدي مئتين وأربعين سنة، وهذا لا يبعد، لأنه أنشد عمر بن الخطاب: ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الإله هو المستآسا.. فقال له عمر: كم لبثت مع كل أهل؟ قال: ستين سنة. فذلك مئة وثمانون سنة، ثم عاش بعد ذلك إلى أيام ابن الزبير، وإلى أن هاجى أوس بن مغراء، وليلى الأخيلية. وكان يذكر في الجاهلية دين إبراهيم والحنيفية، ويصوم ويستغفر، وله قصيدة أولها: «الحمد لله لا شريك له.. من لم يقلها فنفسه ظلما». وفيها ضروب من دلائل التوحيد، والإقرار بالبعث والجزاء، والجنة والنار. وقيل: إن هذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وقد صححه يونس بن حبيب، وحماد الراوية. ومحمد بن سلام، وعلي بن سليمان الأخفش للنابغة الجعدي ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وأنشده قصيدته الرائية، وفيها: «أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتاباً كالمجرة نيراً».
مع ابن الزبير
وقال علي بن الأشدق العقيلي سمعت قيس بن سعد بن عدي بن عبدالله بن جعدة - وهو نابغة بني جعدة - قال: «قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته قصيدتي الرائية» وهي قصيدة طويلة، وهي من أحسن ما قيل من الشعر. ولم يزل يرد على الخلفاء بعد النبي، وكان شاعراً محسناً.
وجاء في «المعجم الكبير» لأبي القاسم الطبراني: عن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عمه، عن عبدالله بن عروة بن الزبير، قال: «أقحمت السنة نابغة بني جعدة فأتى عبدالله بن الزبير وهو جالس بالمدينة فأنشده في المسجد:
حكيت لنا الصديق لما وليتنا
وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسويت بين الناس في الحق فاستووا
فعاد صباحاً حالك اللون مظلم
أتاك أبو ليلى تجوب به الدجى
دجى الليل جواب الفلاة عتمتم
فقال ابن الزبير: إليك أبا ليلى فإن الشعر أهون وسائلك عندنا، أما صفوة مالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد يشغلها عنك وتميما، ولكن لك في مال الله حقان حق لرؤيتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق لشركتك أهل الإسلام، ثم أمر به فأدخل دار النعم، وأمر له بقلائص سبع وحمل وخيل، وأوقر له الركاب براً وتمراً، فجعل النابغة يستعجل فيأكل الحب صرفاً، فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى لقد بلغ به الجهد فقال النابغة: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما وليت قريش فعدلت، واسترحمت فرحمت، وعاهدت فوفت، ووعدت فأنجزت إلّا كنت أنا والنبيون فراط القاصفين».
إلى الجنة
وعن فوزه بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم يقول أحمد بن حجر العسقلاني في «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية»: حدثني الحسن بن عبيدالله، حدثني من سمع النابغة يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته قولي:
وإنا لقوم ما نعود خيلنا
إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا من الطعن
حتى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردها
صحاحاً ولا مستنكر أن يعفرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا
قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إلى أين؟» قلت: إلى الجنة. قال: «نعم إن شاء الله تعالى». قال النابغة رضي الله عنه: فلما أنشدته صلى الله عليه وسلم:
وَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ يكن لَهُ
بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا
وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ
أَرِيبٌ إِذَا مَا أُورِدَ الْأَمْرُ أَصْدَرَا
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك». قال: فكان رضي الله عنه من أحسن الناس ثغراً، وكان إذا سقطت له سن نبتت.
وجاء في «كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال» للمتقي الهندي: من طريق ابن النجار: أن النابغة لما أنشد أبياته «وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين المظهر يا أبا ليلى؟ وفي لفظ: فقال: إلى أين؟ لا أم لك، قلت: الجنة، فقال: أجل إن شاء الله، فقلت: «ولا خير في علم إذا لم يكن له.. إلخ»، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجدت لا يفضض فوك «مرتين»، فلقد رأيته بعد عشرين سنة ومئة سنة وإن لأسنانه أشراً كأنه البرد. أي الثلج من شدة بياضها وجمالها.
لقد فاز الجعدي بدعويين للنبي صلى الله عليه وسلم، الأولى في الدنيا، وكانت في أسنانه والثانية في الآخرة وهي الجنة.