مواقع التواصل بداية التباعد

يتزايد بها العنف اللفظي والخلافات
23:06 مساء
قراءة 12 دقيقة
تحقيق - مها عادل:
يبدو جلياً من اسم "مواقع التواصل الاجتماعي" أن الهدف منها زيادة التواصل والتقارب بين الناس، خاصة بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة ونستطيع بكبسة زر أن نقيم حواراً مع أخ أو صديق في الطرف الآخر من العالم وبأبسط التكاليف .
ولكن هل نجحت فعلاً مواقع التواصل أن تقوم بهذا الدور وأن تعمل على توطيد العلاقات بين البشر أم أنها في بعض الأحيان تتحول إلى منابر للتناحر والتنافر بين أعز الأصدقاء وأقرب الأقرباء؟
هل طغت مظاهر العنف اللفظي والحدة الكلامية في هذه المواقع على الهدف الأساسي من ابتكارها وهو تقارب الأفكار وتوطيد العلاقات وزيادة التواصل، وحتى في الحالات التي تنجح فيها هذه الشبكات الإلكترونية في إنشاء علاقات مثمرة بين الفرقاء رغم الحدود والمسافات هل يمكن أن يؤثر ذلك في سلامة ومتانة العلاقات بين الأسرة الواحدة والتي يجمعها نفس المكان وتحاصرها نفس الجدران ؟
هل استطاع العالم الافتراضي الذي توفره هذه الشبكات أن ينأى بنفسه بعيداً عن الواقع وسلبياته ومشاكله أم نجح الواقع في اختراقه ونقل إليه أمراضه وسلبياته؟
وعن تجربتها مع هذه المواقع تقول نهال صلاح: "أدين بفضل كبير إلى هذه المواقع وخاصة فيس بوك لأنها تجمعني بجميع أفراد أسرتي وعائلتي رغم تفرقنا بين عدة دول وقارات، ولذلك منذ أن بدأت أشارك معهم عبر فيس بوك وملأ ذلك جانباً كبيراً من فراغي وقلل من شعوري بالغربة وجعل من السهل أن نتعايش سويا ونعرف أخبار بعضنا، أستطيع متابعة صورهم وأحداث أيامهم يوما بيوم وأشاركهم بالتهنئة في الأعياد والمناسبات السعيدة وأقوم بواجب العزاء والمواساة في أحزانهم، لذلك أخصص جانباً مهماً من وقتي كل يوم لمتابعة صفحتي على فيس بوك حتى لا تفوتني مجاملة أحد من أصدقائي ومعارفي في السراء أو الضراء، وأعتبر هذه المجاملات واجباً علي تجاه أهلي وأصدقائي لا يجب التقصير فيه خاصة أنه أمر سهل وغير مكلف ويساعد على تقوية العلاقات وصلة الرحم أيضاً .
أما فاطمة السيد، فتباغتني بامتعاض يظهر على وجهها وتبدأ بتقديم الجانب السلبي من فيس بوك وتقول عنه: "أحجمت عن الدخول إليه وأرحت نفسي وأعصابي من بعض السخافات التي كانت تحدث لي، فبعد أن كنت ناشطة بدرجة كبيرة عليه وكنت كثيراً ما أستمتع بمتابعة أخبار أصدقائي ومعارفي والتفاعل معهم على ما ينشرون من أفكار وصور وأسفار أو حتى خواطر منقولة، إلا أنني بدأت أشعر أنني دائماً مطالبة بالمجاملة الدائمة التي تصل أحياناً لدرجة النفاق العلني، إحدى صديقاتي بدأت تحاسبني على عدد المرات التي لم أسجل فيها إعجابي بما تنشره على صفحتها من كتابات أو صور شخصية لها ولأسرتها وبدأت تأخذ مني مواقف عدائية خاصة إذا وجدتني أسجل إعجاباً بشيء نشره شخص آخر، وتوترت العلاقة عندما أصبحت تعليقاتها تجاهي استفزازية فيما أنشره على صفحتي، ووصل بها الأمر أن تتعمد السخرية من بعض الصور الشخصية التي كنت أنشرها، وعندما عاتبتها حدث بيننا خلاف كبير انتهى طبعاً بحظر الصفحة، وخسرنا بعضنا للأبد لمجرد اعتقادها أنني أتعمد تجاهلها أمام الجميع بينما أهتم بآخرين، بعد هذا الموقف بدأت أفقد حماستي للمشاركة على هذه المواقع خاصة أنني وجدت مقدمات لنفس المشكلة تتكرر مع صديقات أخريات لا أريد أن أخسرهن أيضاً، فأعلنت إحجامي عن دخول مواقع التواصل الاجتماعي لفترة لا يعلمها إلا الله .
وجدتها فتاة في العشرين من عمرها تتسم بالرقة والوداعة والخجل الشديد، ولكننا عندما تجاذبنا أطراف الحديث فتحت قلبها لتطلعني على آرائها حول مواقع التواصل التي تمثل لجيلها واحدة من نوافذ الحياة، الطالبة الجامعية حصة محمد تقول: "أنا أشارك في هذه المواقع بانتظام وعادة ما أهتم بالصفحات الخاصة بالأزياء والموضة وصفحات التغذية والصحة وكثيراً ما أبحث عن معلومات تهم أصدقائي فأنشرها على صفحتي لأفيد صديقاتي حتى يراها الجميع وتعم الفائدة، وأعتقد أن هذه المواقع مفيدة جدا في ربط المهتمين بموضوعات معينة وتمكينهم من تبادل المعلومات والنصائح حولها، خاصة أنها مصحوبة بالصور والفيديوهات وروابط لمواقع متخصصة في نفس مجال الاهتمام المشترك" .
وتضيف حصة: "هناك أيضاً صديقات يقمن بنشر روابط لصفحات تهتم بالطهي وتقدم وصفات لأكلات من جميع بلدان العالم مع وصف دقيق لطريقة الطهي بالصور والفيديو أيضا وقد استفدت الكثير من هذه الصفحات وتعلمت منها الكثير، ولكل شيء في هذه الدنيا وجهان أحدهما مفيد ونافع وآخر ربما يكون مضراً أو له مخاطر ومحاذير وعلى الفرد اختيار ما يفيده ويبتعد عما يزعجه أو يسبب له الضرر وبالطبع فإن إساءة استخدام هذه المواقع أو اللجوء لغرف الدردشة ربما يعرض الفتاة العربية لأشياء لا تناسبها وتسبب لها مشكلات أيضاً .
أما أحمد سالم فيقول: "أتعامل مع هذه المواقع بحذر شديد وأبتعد تماماً عن المناقشات في الموضوعات السياسية أو الدينية (الخلافية) التي تتحول عادة في النهاية إلى الاشتباك اللفظي العنيف والحاد، وربما تصل بالأقارب والأصدقاء إلى توجيه ألفاظ بذيئة أو غير مقبولة لبعضهم البعض أو يقومون باتهام بعضهم إما بالجهل أو الغباء أو التحيز، وينتهي الأمر في النهاية بالقطيعة بين الأقارب والأصدقاء، وشهدت من قبل العديد من المواقف، تبدأ بخلاف بسيط ربما يتحمله الطرفان إذا وقع بينهما في الواقع وليس على الملأ الافتراضي . . فهناك حساسية خاصة يسببها أن الحوار يتم بطريقة يشعر فيها كل شخص بأنها علنية أو تسفه من كلامه أمام الناس .
يتذكر سالم موقفين، الأول كان بين أخ وأخت من أقاربه، قام الأخ بالتعليق على منشور في صفحة أخته الأكبر سنا وقام بذكر عمرها مع السخرية من المرحلة العمرية، فاعتبرتها إهانة على الملأ وأنه فضح سنها أمام الجميع وهو أمر غير مقبول واشتعل الغضب في صدرها فردت بكلمات حادة وعنيفة ثم قامت بحجبه عن صفحتها ومقاطعته فعلاً في الواقع .
والموقف الآخر كان بين زوجين سابقين، انفصلا بالطلاق، ويبدو أن العلاقة ظلت متوترة بينهما لأن الزوج تصرف تصرفاً سخيفاً بغرض إذلالها فنشر صورة تظهر فيها الزوجة بدون حجاب ولا مساحيق تجميل وعلق تعليقاً ساخراً على شكلها، وقامت الزوجة بالرد واشتعل بينهما خلاف حاد تدخل فيه حكماء من الأسرتين لانهائه .
الطالب مازن علي عمره 14 عاماً يقول: "لدي حساب على فيس بوك ولكنني غير ناشط لأنني ببساطة أجده مضيعة للوقت بلا متعة أو هدف بل أجده خادعاً يسرق الوقت إذا لم ننتبه وأدمنا البقاء على اتصال دائم بمواقع التواصل، اهتمامي الأول هو مباريات كرة القدم ولذلك أتابع باستمرار صفحات الرياضة العالمية لتصفحها والحصول على معلومات عن الفرق الرياضية العالمية وأخبار الدوري الانجليزي والأوروبي بشكل عام فهذه الاخبار هي كل ما يهمني على الموقع ويمكن أن أنشر في صفحتي من حين لآخر صور نجومي المفضلين مثل روني وكريستيانو رونالدو، أو أعبر عن سعادتي بفوز فريقي في مباراة معينة وليس أكثر من ذلك، ولكني أكره كثيراً الجلوس لفترات طويلة لتصفح أخبار الآخرين على الفيس بوك فهذا يساعد على الكسل والخمول وأعتبره فضولاً زائداً أنا أفضل مقابلة أصحابي والخروج بصحبتهم .
الطريف أن بعض أصدقائي يمارسون عادة غريبة في صفحاتهم، فهم يصفون بالتفصيل كل لحظة في حياتهم تقريباً، تستطيع أن تعرف ماذا يفعلون أو بماذا يفكرون أو ماذا يأكلون، حيث يصل بهم هذا الأمر إلى تصوير أطباق الطعام قبل أكلها خاصة إذا كانوا في أحد المطاعم وينشرونها على صفحاتهم بغرض التباهي أو تقديم معلومات كاملة عن أنفسهم، ولكنني لا أوافقهم على هذه التصرفات وأجدها ليست مفهومة ومبررة .
وبما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة للحصول على الأخبار والمعلومات عند بعض الناس بشكل أسرع أحيانا من وسائل الإعلام التقليدية، سألت الكاتب والإعلامي محمد عبد العاطي فقال: "في كثير من الأحيان تستخدم مواقع التواصل كوسيلة لنقل الأخبار رغم اعتراض بعض الإعلاميين على ذلك باعتبارها تفتقد للدقة أو المصداقية أحياناً، فالبعض يطلق على هذه المواقع "الإعلام الجديد" ويتحمسون له ويدافعون عنه مستشهدين في ذلك بحالات كلاسيكية في علوم الإعلام مثل الراديو الذي بعد أن اخترع زاحم الصحافة المطبوعة، ثم بالتلفزيون الذي غطى على الراديو، وأخيراً بالصحافة الإلكترونية التي يبدو أنها تنافس الجميع، عموماً؛ ليس مطلوباً من مواقع التواصل أن تكون بديلاً عن المؤسسات الإعلامية ولكن في ذات الوقت فإن تلك المؤسسات ينبغي ألا ينظر إليها من منظور إما نحن وإما هي، فيمكن للاثنين أن يكمل أحدهما الآخر، إذ يستطيع الناشط على تلك المواقع أن ينقل الحدث فور وقوعه ويحقق في ذلك أحياناً سبقاً لا تستطيعه المؤسسات الإعلامية، لأنه في الغالب يكون شاهد عيان على ما نقل . والمتلقي بات على بينة من أمره وأصبح لا يأخذ كل ما ينشر في تلك المواقع على أنه حقيقة من دون تمحيص، تماماً كما يفعل مع وسائل الإعلام المشهورة ذاتها والتي لا تخلو هي أيضاً من العمل وفق سياسات تحريرية تخدم أجندات بعينها .
وعن تجربته الشخصية يقول: رغم أن اسمها مواقع (تواصل) اجتماعي إلا أنها في أحيان كثيرة أصبحت في عالمنا العربي تمثل مواقع (تناحر) اجتماعي وبدلاً من أن تكون فضاء سمحاً جميلاً لتبادل الآراء والتعرف إلى أحوال بعضنا البعض إلا أنها كثيراً ما تصبح ساحات للتجاذبات السياسية والخلافات الأيديولوجية خاصة بين المثقفين، الأمر الذي غير من طبيعتها ونقل لها أمراض الواقع وأفقدها الميزة الأساسية، وهي زيادة التواصل وتوسيع نطاقه وتقريب وجهات النظر، حيث أصبح من يتواصلون فقط هم من يتشابهون في مواقف معينة تجنباً لأن يتعرضوا لهجوم حاد وعنيف ممن يختلفون عنهم في الرأي، وغالبية المشاركين في هذه المواقع حالياً آثروا السلامة وقاموا بتنقية صفحاتهم ممن يخالفونهم في الرأي والتوجه وحذفهم حتى لو كانوا من الأهل أو الأصدقاء، بينما الأصل أن يتواصل الجميع أيا كانت آراؤهم وتوجهاتهم حتى يفهم كل منا الآخر وتزداد مجتمعاتنا لحمة واتساقاً .
ويستطرد عبد العاطي قائلاً: "أتذكر يوماً كتبت خاطرة سياسية لم تعجب كثيراً من الأصدقاء لأنها كانت على غير السائد من المزاج العام وقتها فإذا بعشرات منهم يلغون صداقتي، وإذا ببعضهم يرسل إلي رسائل على بريدي الخاص يتبرأون فيها من معرفتي ويتأسفون على السنوات التي صاحبوني فيها، وأنا في الحقيقة لست مندهشاً كثيراً من هذا الموقف فبالتأكيد ليس كل ما يلمع ذهباً كما يقال، فكما أن هنالك صفحات مفيدة يقدم أصحابها المعلومة الصحيحة والرأي السديد، ثمة صفحات أخرى تنفث تعصباً وتنشر كرهاً، فبالعض ينشط في مواقع التواصل لنشر الشائعات أو تغيير الاتجاهات، كما أن هناك صفحات وهمية يقوم من أنشأها بترويج أخبار مكذوبة وينسبها إلى جهة أو شخصية ما تكون في الغالب مشهورة ولها متابعون كُثر، كذلك من الظواهر السلبية لتلك المواقع أنها تطرح عالماً افتراضياً وهمياً يستغله أصحاب الأخلاق الهشة في إقامة علاقات غير سوية تُستدرج لها للأسف فتيات صغيرات حسني النية .
ولكنني لا استطيع أن أنكر أن لها ميزات في حياتنا لا نستطيع تجاهلها فمنذ أن تعرفت إلى الفيس بوك قبل عامين تقريبا أصبح جزءًا أساسياً في حياتي اليومية؛ فمن خلاله أتعرف إلى نبض المجتمع واتجاهات الرأي العام، كما أنني مدين له بتوفير الفرصة لنشر آرائي عامة وإبداعاتي القصصية خاصة دونما الحاجة إلى البحث عن صحيفة أو مجلة، فضلا عن ذلك فمن خلاله تعرفت إلى أصدقاء قدامى فقدت التواصل معهم في زحمة الحياة، وكان لهذا اللقاء، حتى ولو إلكترونياً فرحة وسعادة .

د . رشا عبدالله: تؤثر سلباً في العلاقات الاجتماعية

لكي نتعرف إلى تأثير الارتباط بهذه المواقع وعالمها الافتراضي على الحالة النفسية والاجتماعية للمتعاملين بها ومدى تأثرهم سلوكياً نتيجة لهذا التعرض المستمر التقيت د . رشا عبد الله استاذ مساعد علم النفس التي تبدأ حديثها بابتسامة هادئة وتقول: "بالفعل دور إيجابي في التواصل والتحاور مع الآخرين، خاصة هؤلاء الذين تمنعهم الحدود الجغرافية من اللقاء بشكل مباشر، وبالتالي فإن اللجوء لهذه المواقع ربما يكون مفيداً" . ولكن على الجانب الآخر نكتشف أن لكثرة استخدام هذه المواقع آثاراً سلبية على العلاقات الأسرية والروابط بين الأزواج والأبناء من الأسرة نفسها بسبب انشغال كل فرد من أفرادها بعالمه الافتراضي وانعزاله عن الواقع المحيط به ما يؤدي إلى علاقات فاترة كما أنها توتر العلاقات بين الأصدقاء لمجرد الاختلاف في الرأي .
وتستطرد الدكتورة رشا عبد الله قائلة: "ولكن لا أفضل هذا النوع من التواصل عن بعد حيث يشترط في جزء كبير من معناه التواصل الإنساني الحيوي، بما فيه من مشاعر وليس التعامل المستمر مع آلة مهما كانت ذكية وإضافة إلى أنها تصيب الكثير من الناس بالإدمان والانطوائية، وهذا ما يشكل خطورتها وخاصة على الأجيال الجديدة" .
فالمشكلة التي نعانيها كما توضح د . رشا ليس سببها هذه المواقع بشكل أساسي كما يعتقد البعض، بل المشكلة في انعزالنا عن بعضنا والذي حدث نتيجة طبيعية للعيش في هذه الغابة الأسمنتية التي بنيناها،فالإنسان كائن بشري اجتماعي، لكن منظومتنا الحالية بكل تفاصيلها تؤكد أننا أفراد منعزلون متنافسون وتعزز فينا الخوف، فنحن في حالة ركض دائم لا نمتلك الوقت لنقضيه مع من نحبهم، حتى مجموعات الأصدقاء أو العلاقات الأسرية باتت تصغر في كل يوم، لذلك نهرب إلى هذا العالم الافتراضي، الذي تزول وتختفي فيه جميع الأسوار والجدران والحدود من امامنا فجأة، ونعيش ولو بشكل مؤقت تلك اللحظات الحقيقية من الحياة لنتجول بحرية إلى حيث يأخذنا خيالنا .
هذا التناقض الموجود بين العالمين الواقعي والافتراضي هو سبب عدم قدرتنا على اغلاق نافذة الكمبيوتر الذي يطل على العالم ويجعلنا ننفصل عن الصديق أو الأخ الذي يجلس بجانبنا، حيث تصبح الأجهزة الذكية والمواقع الإلكترونية مشكلة عندما تستخدمها كائنات تعيش حياة غير منظمة وعندما نعيد تنظيم حياتنا بذكاء ستزول هذه المشكلة .
بامكاننا بناء عالم قائم على التعاون والسلام مع الآخرين ومع الطبيعة فيكون بمقدورنا التواصل في العالم الواقعي بلا حدود ولا خوف كما نفعل في الافتراضي، عندها ستستقبل اجسادنا شبكة "الواي في Wi-Fi" الموجودة بوفرة في كل شجرة وزهرة ونهر وإنسان وحيوان في طبيعة الأرض، ولن يكون العالم الافتراضي مشكلة بل وسيلة لتعزيز تواصلنا الواقعي .

د . مها عبدالمجيد: تحولت إلى منابرللتناحر والتنافر

تقول د . مها عبد المجيد أستاذ الإعلام المشارك بكلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية بجامعة عجمان: "ظهرت مواقع التواصل في البداية على شبكة الانترنت في التسعينات، وحققت نجاحاً محدوداً زاد تدريجياً إلى أن تطورت شبكات الويب من الجيل الأول إلى الثاني الذي سمح بالتفاعل في استخدام الشبكات والقدرة على التشارك في استخدام المعلومات، ولذلك أصبحت هذه المواقع جزءاً مما يعرف بالإعلام الاجتماعي وتمثل قنوات مهمة للتواصل بين من يرتبطون باهتمامات مشتركة حول العالم" .
وعن تحولها من مواقع للتواصل إلى مواقع للتنافر تقول د . عبد المجيد
لا يمكن القول بأن مواقع التواصل الاجتماعي في مجملها وبشكل مطلق أصبحت منابر للتنافر والتناحر، فالحقيقة أن كل تطبيقات التواصل وتبادل المعلومات والأفكار عبر شبكة الإنترنت يمكن أن تقوم بدور إيجابي، كما يمكن أيضًا أن تقوم بدور سلبي، الفرق يكمن في طبيعة استخدامها وفي مجالات هذا الاستخدام وفي مستوى وعي وثقافة من يستخدمها وأهدافه من ذلك .
شغل الموضوع الباحثين في مجال الإعلام والاتصال بل وفي مجال العلوم السياسية منذ سنوات طويلة، وكان تساؤلهم الأساسي: هل قنوات الاتصال عبر الإنترنت هي أدوات للتشبيك أم التفتيت الاجتماعي؟ تناولت الموضوع نفسه في مقالة علمية سابقة عام 2008 فازت كأفضل عمل علمي فردي منشور في المجلة الاجتماعية القومية للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ذلك العام . وخلاصة القول إنه كلما زادت درجة التجانس الفكري والاجتماعي بين من يستخدمون هذه المواقع، زادت احتمالات أن يتحولوا بمرور الوقت إلى التكتل والانغلاق على أنفسهم ، ورفض الآراء المخالفة لهم بطبيعة الحال، بينما في المقابل كلما زادت درجة التنوع والاختلاف اجتماعياً وفكرياً بين من يستخدمونها، ساهم ذلك في تنويع وجهات النظر المتبادلة بينهم وفي الربط والتقريب بين الأشخاص وليس في تحويلهم إلى جزر منعزلة عن بعضها البعض .
وأعتقد أن التنافر في حد ذاته ليس مرفوضاً، فالاختلاف سنة الحياة وهو أمر مطلوب، لكن المشكلة في رفض الطرف الآخر المختلف عنا في الرأي وفي محاولة قمع وممارسة العنف ضده حتى لو كان لفظياً ومعنوياً .
مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مرآة تعكس واقع حياتنا وأفكارنا وثقافتنا ومستوى تحضرنا في الحوار وفي تقبل الرأي الآخر، ووجود مساحات للخلاف الحاد والحوار الهدام على مواقع التواصل الاجتماعي ما هو إلا انعكاس لوجود ذلك كله على أرض الواقع .
وتشير د . عبد المجيد إلى دراسة خاصة سبق أن قامت بها مؤخراً وشملت عينة بحثية من مختلف البلدان العربية وتقدمت بها للمشاركة في أحد المؤتمرات الدولية المتخصصة في مجال الاعلام، وهي تتناول موضوع ثقافة العنف والتعصب على مواقع التواصل الاجتماعي، طبقت على عينة من مستخدمي موقع فيس بوك للتواصل الاجتماعي بلغ عددها 104 أفراد مفردة من مختلف البلاد العربية، تهدف للتعرف إلى مدى إدراك مستخدمي هذه المواقع لتزايد حدة العنف والتعصب في تبادل الرأي من خلالها، وكيف يؤثر ذلك في استخدامهم لها، وإلى أي مدى يتورطون في تأجيج حدة هذه الثقافة ربما من دون قصد، وكيف يتعاملون مع المعلومات المغلوطة والأفكار الهدامة والسلبية والمعادية التي يروجها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"