بيوت الله ... المساجد المملوكية تزين معالم طرابلس التاريخية

02:01 صباحا
قراءة 5 دقائق

تشكل مساجد طرابلس المملوكية التراث المملوكي الأقدم في لبنان، وقد استطاع أهل عاصمة الشمال الحفاظ عليها وتحسينها باستمرار مما حال بينها وبين الزوال رغم الكثير من الظروف الصعبة التي مرت على المدينة سواء في ذلك الظروف الطبيعية كالهزات الأرضية وفيضان نهر أبو علي والسيول، أم ظروف الحروب اللبنانية الداخلية سواء منها ما حصل عام 1958 أو ما جرى بين ،1975 1990 إذ كان الطرابلسيون ويزالون يهرعون للحفاظ على تراثهم التاريخي بالدعم المادي والعملي . وهذه المساجد المملوكية تتوزع كالآتي:

الجامع المنصوري الكبير

تأسس الجامع المنصوري الكبير عام 693 ه/1294م، وهو أقدم جامع بناه المماليك في طرابلس وأكبر جوامعها على الإطلاق، ويقع في حي النوري بمحاذاة أدنى قلعة صنجيل الصليبية وسط المدينة، على الضفة اليسرى لنهر قاديشا عند نهاية منحدر الرفاعية ويلاحظ انخفاض أرض الجامع عن بعض الأحياء المحيطة به، حيث ينزل إليه بدرج من البابين الشرقيين كما ينزل إليه بدرجتين من الباب الرئيسي الشمالي ويرتفع مستوى الأرض خارج الجامع من الجهة الجنوبية عن مستوى أرض حرم الجامع، ويتميز الجامع من الخارج بمئذنته وبوابته الشمالية الرئيسية، ويقال إن المسجد المنصوري الكبير كان في الأساس كنيسة بناها الصليبيون تحت قلعة سان جيل التي يلفظها الطرابلسيون صنجيل ويظهر ذلك من خلال مئذنة الجامع التي هي في الاساس برج لومباردي الطراز ويقال إن الكنيسة عرفت باسم كنيسة القديسة ماري دي لاتور وقد استعان بوهيموند أحد أمراء طرابلس الصليبيين الإيطالي الأصل بأحد المهندسين الطليان لإعادة بناء الكنيسة بعد دمار أقسام منها في الزلزال الذي ضرب طرابلس سنة 522 ه/1157م فترك هذا المهندس طابع بلاده الهندسي على البرج اللومباردي الذي هو اليوم مئذنة الجامع المنصوري .

والجامع المنصوري الكبير يطل من الجهة الشمالية على المدرسة الأثرية والمدرسة الشمسية المملوكيتي البناء، أما الباب الشرقي للجامع فيطل على المدرسة القرطاوية، وتبعاً للنظام التقليدي يحتوي المسجد على ثلاثة مداخل محورية في الأروقة الشمالية والشرقية والغربية وعلى بركة كبيرة للوضوء في صحن المسجد تتوسطها نافورة بثلاث طبقات، وعلى مصلى يرتفع عن أرض صحن الجامع حوالي المتر والحرم يبلغ طوله 51 متراً ونصف المتر وعرضه 30 .11 متر ويتألف من ثلاثة أقسام .

جامع البرطاسي

يعود تاريخ جامع البرطاسي إلى الربع الأول من القرن الثامن الهجري وقد بني حتى يكون مدرسة للطلبة على المذهب الشافعي بداية مع إقامة الصلاة فيه فجمع ما بين المدرسة والجامع .

يعرف الجامع باسم جامع ومدرسة البرطاسي نسبة لمؤسسه عيسى بن عمر البرطاسي الكردي وكان والياً على طرابلس إثر ولايته للسر بدمشق سنة 714 ه /1315 م عوضاً عن الأمير علم الدين سنجر الطرقجي ثم عزل ليعين مكانه الأمير علاء الدين بن معبد، وذكر الجامع كمدرسة في كتابات ابن حجر العسقلاني الذي يقول كالصفدي أيضاً أن البرطاسي شيد مدرسة للشافعية في طرابلس وقد أدرجه النابلسي في التحفة النابلسية على أنه المسجد السادس من حيث الأهمية من المساجد الاثني عشر التي تقام فيها صلاة الجماعة في المدينة .

وجامع البرطاسي يعتبر من أجمل مساجد المماليك في طرابلس ويتميز بثلاثة معالم بارزة هي بوابته ذات الإنشاء الهندسي والزخارف والقباب الثلاث فيه والمئذنة .

جامع العطار

سمي هذا المسجد بجامع العطار نسبة إلى مؤسسه بدر الدين بن العطار أحد العطارين الأثرياء في طرابلس في العصر المملوكي وقد بناه على نفقته الخاصة فنسب اليه، ويقول ابن أيبك في حديثه عن الجوامع المستجدة في الممالك الشامية أيام الملك الناصر محمد: والمستجد في طرابلس جامع أنشأه الأمير شهاب الدين قرطاي لما كان نايبا بطرابلس وجامع أنشأه بدر الدين بن العطار رحمه الله ايضاً بطرابلس، ولابن العطار أيضاً حمام مملوكي في طرابلس يعرف بحمام العطار ثم قام سبطه ببناء مدرسة ملاصقة للحمام المذكور .

وبني جامع العطار حوالي سنة 735 ه / 1334م وهو يقع على الضفة اليسرى لنهر قاديشا قرب خان الخياطين وخان المصريين وتميزه عن محيطه ثلاثة عناصر هي البوابة الشرقية الرئيسية والمدخل الغربي والمئذنة المملوكية التي اتخذت طابعاً مهماً من حيث التصميم كونها تشبه إلى حد كبير البناء الحربي وليس البناء الديني، ومنبر جامع العطار هو المنبر الرخامي الوحيد الذي بناه المماليك في مساجد طرابلس .

مساجد وتاريخ

وفي طرابلس مساجد مملوكية أخرى منها جامع طينال وهو من أهم المساجد المملوكية الطرابلسية فهو يأتي بعد الجامع الكبير وجامع التوبة ويشبه بزخارفه مساجد القاهرة التي بنيت في العصر المملوكي، وقد بناه الأمير سيف الدين طينال الحاجب الذي فوضت اليه نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية عوضا عن الأمير شهاب الدين قرطاي الصالحي عام 726 ه/1325 م وعزل عنها بعد سبع سنوات ليستقر في نيابة غزة بعدها ثم يعاد إلى نيابة طرابلس لمرة ثانية، حيث قام ببناء مسجده المعروف باسمه عام 736 ه /1326 م وهو يقع منفرداً وسط بستان وتمكن رؤيته من الجوانب كافة كبناء مستطيل تعلوه قبة كبيرة .

ومن مساجد طرابلس المملوكية أيضاً جامع التوبة المعروف بالجامع الناصري أيضاً نسبة إلى السلطان الناصر محمد قلاوون الذي بنى المسجد بأمره في القرن السادس الهجري، والجامع يقع في محلة الدباغين .

وهناك جامع سيدي عبدالواحد المكناس المعروف أيضاً بالمغربي وهو من الأتقياء من أبناء مدينة مكناس في المغرب، وقد زار طرابلس في القرن الثامن الهجري ثم ذهب إلى مصر بعد بناء الجامع المسمى باسمه والذي يعتبر أقدم جوامع طرابلس بعد الجامع المنصوري، وهناك ضريح في غرفة بجانب المسجد للشيخ عبدالسلام بن مشيش المغربي أحد أحفاد سيدي عبدالواحد .

ومن المساجد المملوكية الطرابلسية جامع أرغون شاه وبانيه هو الأمير سيف الدين ارغون شاه الإبراهيمي المنجكي الظاهري برقوق الخازندار الذي تولى نيابة السلطنة في طرابلس عوضا عن الأمير دمرداش المحمدي وظل بها إلى أن نقل إلى نيابة حلب وأساس الجامع زاوية تعرف باسم زاوية ارغون شاه ثم تحولت إلى جامع شيد سنة 769 ه /1394 م ويعكس المسجد مراحل تطوره الثلاث من زاوية إلى جامع مملوكي ثم أضيفت إليه مئذنة في العهد العثماني .

وهناك مسجد الطحام المبني أواخر العصر المملوكي ومسجد الأويسية نسبة لصاحبه محي الدين الأويسي أحد شيوخ الطريقة الأويسية والمسجد المعلّق المشهور بجمال طرازه، وخلاصة القول إن زيارة لطرابلس وجولة على مدارسها ومساجدها وخاناتها وحماماتها المملوكية تعيدك بالتاريخ إلى أيام كانت ملأى بالعز والمجد والمواجهات العسكرية مع الحملات الصليبية والتي كان أبناء طرابلس فيها حماة الثغور المرابطين تحت راية الإسلام للدفاع عن تاريخهم وحضارتهم ومدينتهم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"