الطب الشرعي تخصص يشغله الأموات والأحياء

إماراتية فتحت أبوابه لأبناء الوطن
08:56 صباحا
قراءة 8 دقائق
تحقيق: مصعب شريف
ترسم المخيلة الشعبية للطبيب الشرعي، صورة مرتبطة بالموت لما يتعلق بطبيعة مهنته، بيد أن ثمة صورة أخرى، مغايرة تماماً، يرسمها الأطباء الشرعيون الإماراتيون لأنفسهم، بإطار من المثابرة والتحدي، تخلع عن الأذهان صورة الموت، وتبدلها بأخرى أكثر حيوية، حيث يتوزع نحو ثمانية أطباء على إدارات الطب الشرعي بإمارات الدولة المختلفة، يُعملون مشارطهم وعقولهم ليل نهار، لترسيخ صورة تتسم بالدقة لتخصص يعتبر من أعقد التخصصات على مستوى العالم، وخلف كل يد تمسك بمشرط أو تكشف خيوط جريمة ما، تختبئ عشرات القصص التي تسرد للعالم قصة الطب الشرعي الإماراتي، الذي نقف في هذه المساحة مع رواده لنتعرف تجاربهم المميزة في المجال . ويعتبر الطب الشرعي من أندر التخصصات في الدول العربية والعالم بأسره، وهو الأمر الذي تعود إلى حساسيته ودوره الحاسم في تحديد مصاير الناس، فعلى عاتق الأطباء الشرعيين تقع مهام عديدة وجسيمة، لذلك ينأى كثير من الأطباء بأنفسهم بعيداً، ليتخيروا تخصصات طبية أخرى وفقاً لما جرت عليه العادة .
الطالبة بكلية دبي الطبية حينها وأول طبيبة شرعية إماراتية فيما بعد ومدير إدارة الطب الشرعي والمختبر الشرعي بوزارة العدل بالشارقة الدكتورة فاطمة الخميري، كانت مولعة منذ سنوات دراستها الأولى بمادة التشريح التي تعتبر من المواد الأساسية في دراسة الطب البشري، لتدلف من بوابة التشريح إلى عالم الطب الشرعي الذي لم يسبقها إليه أحد من مواطنيها، وهو الأمر الذي تصفه فاطمة الخميري بالتحدي مع النفس والمجتمع المحيط، وتضيف مبينة أن حبها للتخصص هو الذي دفعها لخوض مجال مجهول تماماً بالنسبة لها، لتتشبث به وسط تشجيع من والديها وأسرتها حتى وصلت لأعلى المستويات .
بعد أن كسرت د . فاطمة الخميري جدار المجهول وأصبحت أول طبيبة شرعية بالإمارات، سار على الدرب آخرون منهم زوجها د . يونس محمد عبدالله البلوشي الذي التقينا به مع زملائه بالإدارة العامة للأدلة الجنائية وعلم الجريمة بشرطة دبي التي تضم ستة أطباء شرعيين بمكتب العقيد فهد سيف المطوع مدير الإدارة، حيث أعرب بعضهم عن الدوافع التي وجّهت كلاً منهم لعالم الطب الشرعي .
الجراحة كانت المدخل بالنسبة للدكتور يونس، فهو شغوف بهذا العلم منذ أيام دراسته الأولى بكلية الطب، ليعقد العزم على التخصص فيها، لكن سرعان ما تبدلت، فعندما درس مواد الطب الشرعي وجد أنها أكثر قرباً للجراحة من تخصصات الصحة العامة، ليتخذ من الطب الشرعي مستقراً له، ويشير الدكتور يونس إلى أن اهتمام شرطة دبي بالتخصص كان من الأسباب المهمة التي شجعته إضافة لطبيعة التخصص نفسه الذي يهتم بفض تشابكات القضايا وفرز خيوطها المختلفة .
أما بالنسبة للدكتور نقيب أحمد الهاشمي فإن التميز الذي يرى أنه حق مشروع لكل إنسان كان وراء اختياره للتخصص، فلكونه تخصصاً نادراً على مستوى العالم، نظراً لصعوبته وأهميته ولكونه يتعلق بمهنة فيها نزاهة وشرف، اختاره د . أحمد وبدأ منه رحلة البحث عن التميز الذي تكون فرصه أوفر برأيه كلما قل عدد الملتحقين بالمجال، ويشير إلى أن ثمة دافعاً قوياً آخر دفعه وزملاءه للتخصص في المجال، فالتساؤل الذي كان مطروحاً بشدة حول عدم وجود أطباء شرعيين مواطنين من عدمه كان دافعهم ليؤكدوا للعالم أجمع أن بإمكان الإماراتيين تحقيق نجاحات في مجال الطب الشرعي .
لم يكن الطب الشرعي هدفاً للدكتورة ملازم أول سارة علي المقهوي حتى قبل تخرجها في كلية الطب بعام واحد، فقد كانت تفكر في التخصص في طب العيون أو الأسنان أو غيره من التخصصات التي تجذب زميلاتها البنات بشكل عام، لكن السنة الأخيرة في كلية الطب كانت حاسمة بالنسبة لها فقد تلقت فيها دراسات عن الطب الشرعي، فشعرت بأن الأمر مختلف تماماً ويستحق عناء تعرّفه وأكثر وهو ما تم حسب ما تروي مشيرة إلى أن ما ينطوي عليه التخصص من اختلاف وتشويق دفعها إليه لتكون ثاني طبيبة شرعية إماراتية .
وفي تخصص بدقة الطب الشرعي، ثمة فروق كبيرة بين الدراسة والممارسة العملية، على الرغم من تضمن الفترة الدراسية للشق العملي، وهو ما اتفق عليه الأطباء الشرعيون الإماراتيون، إلا أن الأمر يعتمد على الموازنة وتنظيم الوقت بالنسبة للدكتورة فاطمة الخميري التي تجمع بين وظيفتها الإدارية في دائرة القضاء بالشارقة، والعمل الفني في الطب الشرعي من فحص القضايا وإبداء الرأي الفني الطبي حيالها إضافة لعضوية لجان عدة على مستوى الدولة، منها لجنة توحيد العمل الجنائي ولجنة توحيد إصدار شهادات الوفاة ولجنة التعامل مع الإصابات والوفيات في الكوارث .
ويتفق من التقيناهم من الأطباء على أن التصور الذي حمله كل منهم عن المهنة قبل ممارستها اختلف بقدر ما عقب الدخول إلى دهاليزها، حسب ما يوضح د . يونس مشيراً إلى أنهم وخلال فترة تخصصهم بجامعات أوروبا كانوا يتدربون في ميدان عمل مختلف تماماً عن موقع عملهم الحالي، وهو الاختلاف الذي يعتمد على نمط الحياة وطبيعة المجتمع، ففي دبي الآمنة مثلاً نادراً ما تواجه جريمة، لكن العمل هنا يختلف عن الدول الأخرى في أنه يتطلب السرعة في الإنجاز، فلو بدأت العمل في تشريح جثة مثلاً، لا بد من الإسراع لتكمل إجراءاتك القانونية لأن أهل المتوفى عادة يطلبون منك الإسراع لطبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده .
ويضيف د . يونس أنهم في مثل هذه الحالات يقومون بتأدية المطلوب وإنجاز التقارير وهو الأمر ذاته الذي تشاركه فيه د . سارة المقهوي حيث تبين أن الأمر يتطلب الحياد في التعامل والفحص وإنهاء جميع الإجراءات بأقصى سرعة ممكنة وبأعلى درجات التركيز .
يواجه الأطباء الشرعيون حالات وفاة متعددة طبيعية وأخرى ذات شبهة جنائية ويعملون بنظام مناوبات، يخرج المناوب منهم لفحص أي حالة وفاة سواء كانت طبيعية أو متعلقة بحادث جنائي طوال فترة مناوبته وفي أماكن مختلفة، وهدفه الرئيسي كشف أسباب الجريمة ويشير إلى أن أصعب مواقف العمل تكون مع المتوفين الذين يتطلب الأمر نقل جثامينهم خارج الدولة فيستعجل أهلهم أمر التشريح ويعمل الأطباء تحت ضغط كبير لإنجاز الأمر بأسرع ما يمكن، فلو تم تسليم الحالة بالمساء فلا يمكن أن تنتظر اليوم التالي لا بد من تسليم التقرير والإجراءات في الليلة ذاتها .
وبحسب الدكتور يونس تختلف طبيعة العمل حسب المكان الذي يعمل فيه الطبيب، ففي دبي مثلاً أكثر الحالات التي يتم التعامل معها تلك المتعلقة بالإصابات مع حالات تشريح، أقل من 10%، عكس ما يحدث في دول أخرى تنص قوانينها على ضرورة تشريح من يتوفى، سواء لحقت بوفاته شبهة جنائية أم لا، فيما لايتم تشريح أي جثة في الإمارات إلا بعد الحصول على إذن من النيابة .
صورة الطبيب الشرعي في المجتمع، مرتبطة بالموت، لكن في الآونة الأخيرة انتشرت في بعض القنوات التلفزيونية برامج تثقيفية خاصة بعمل الطب الشرعي، إضافة لبعض المسلسلات المتخصصة بالعمل الجنائي، كل هذا أسهم في تغيير صورة الطبيب الشرعي في أذهان الناس وفقاً لما مضت إليه د . فاطمة الخميري، مضيفة أن سهولة الوصول للشبكة العنكبوتية، كذلك وفر وعياً لدى الناس بعمل الطب الشرعي الذي لا يقتصر على التشريح الذي لا تحبذه الأغلبية، بل يتعداه لفحص الأحياء في مختلف القضايا من إصابات وتقدير أعمار، وايذاءات وغيرها من الأمور الطبية ذات الصلة القانونية .
ويرى د . أحمد الهاشمي أن حصر مهمة الطبيب الشرعي في التشريح فقط، مفهوم خاطئ، يجب تصحيحه، فالطبيب الشرعي مثله مثل أي طبيب آخر يدرس الطب العام لكنه الشخص المعني بالتعامل مع الحالات الجنائية والقانونية، وهنالك فصول أخرى غير التشريح يفصلها د . أحمد مثل تحديد نوع الإصابة والاعتداءات، إضافة لإصابات العمل والأخطاء الطبية .
ولوج د . فاطمة الخميري في المجال كأول إماراتية تتخصص في هذا المجال، حيث لم يسبقها إليه الرجال، كان بمثابة تأكيد ما تتمتع به المرأة الإماراتية من قدرة على اقتحام أكثر المجالات تعقيداً، متسلحة بالعلم والتحدي، وهو ما أكدته د . فاطمة، نافية أن يكون للأمر علاقة بكونها أنثى، مشيرة إلى أنه يعتمد في الأساس على رغبة الشخص سواء كان رجلاً أو امرأة ومدى اجتهاده في التخصص وهو ما مضت إليه، د . سارة المقهوي، أشارت إلى أنه في الطب الشرعي يتساوى الرجل والمرأة، فالطبيبات يتعاملن مع جميع القضايا والحالات ولا يختلف عنهن زملاؤهن من الأطباء الذكور سوى في الانتقال لمسرح الجريمة، كما أن وجود المرأة مهم في هذا الحقل، فهن يشرفن على معظم حالات منازعات الاعتداءات حيث تم تخصيص الطبيبات لهذا الأمر مراعاة لتقاليد المجتمع المسلم، وتضيف المقهوي أنهن يقمن بجميع ما يقوم به الرجل في المهنة فيطلبن للتشريح ويفحصن أي شيء بذات الدقة والسرعة .
وتعتبر الدقة من السمات التي يجب توافرها في الطبيب الشرعي، وهو أمر تفرضه طبيعة العمل وفقاً لما يؤكده د . أحمد الهاشمي، مبيناً أنه في جميع حالات الوفاة عليه أن يتوصل للسبب الرئيسي للوفاة، فلو كان أحدهم مثلاً مصاباً بمرض في القلب وسقط من بناية عالية وتوفي، فما هو السبب المباشر للوفاة السقوط أم القلب؟ هذا هو ما ينبغي للطبيب الشرعي تحديده بشكل دقيق، وهو بحسب أحمد ما يجعل من الطب الشرعي مربط الفرس لجميع التخصصات من دون التقليل منها إلا أن جميعها موجودة في تخصص الطب الشرعي الذي يعتبر وعاءً جامعاً لجميع التخصصات الطبية .
ولكل من الأطباء الشرعيين طريقة في تنظيم عمله ومواءمة أوضاعه العائلية مع طبيعة عمله، كما يقول الدكتور يونس حيث إنهم يقومون بتنظيم جدول المناوبات ويحرص على ألا يربط اليوم المخصص للأسرة بأجواء العمل، وهو ما تتبعه د . فاطمة الخميري، مشيرة إلى أنها تقوم بالموازنة بين العمل والبيت، وتنظم وقتها بشكل يتيح لها التنسيق التام بينهما .
لكن د . سارة المقهوي وعلى الرغم من أنها تجيد تنظيم وقتها إلا أنها تأخذ معها هموم العمل إلى البيت، فقد تتذكر حالة قامت بالتعامل معها هكذا بغتة في غمرة انشغالها بأمور المنزل والعائلة .
يقول الدكتور أحمد: إنه مستعد للتعامل مع مختلف الحالات على مدار ال24 ساعة لكنه مع ذلك يفصل تماماً بين أجواء العمل والبيت وما يتعلق بحياته الشخصية، فطبيعة العمل تتطلب سرية كبيرة لكونه يتعلق بمعلومات أمنية وسرية كما أن الطبيب وبحكم تعامله اليومي مع الجثث والإصابات يتأثر نفسياً، فلذلك ينسى الحالات والعمل بمجرد الخروج من الدوام .

قانون ينظم العمل

يحتاج الطب الشرعي في الإمارات بحسب د . يونس البلوشي إلى انخراط أعداد إضافية من أبناء الوطن في المجال إضافة للمزيد من البحوث في المجالات الطبية والحالات المختلفة وهو الأمر الذي يتطلب بذل مجهودات كبيرة، ففي الدولة جنسيات كثيرة ومختلفة . ويرى د . أحمد أن لديهم إمكانات كبيرة من أجهزة ومعدات ربما لا تكون متوافرة في أكبر الدول مثل أجهزة فحص الأشعة الذي يوجد في مراكز قليلة حول العالم، ويشجع د . أحمد الشباب على التخصص في الطب الشرعي لكونه تخصصاً جيداً إضافة إلى أنه نادر على مستوى العالم وفيه شيء من التحدي الذاتي والمهني . أما د . سارة المقهوي فترى أن الشرطة والدولة تحتاج لطبيبات شرعيات لكثرة الحالات، وتدعو الطبيبات الإماراتيات للالتحاق بالمجال والتخصص فيه . فيما تدعو الدكتورة فاطمة الخميري المشرع بالدولة لوضع قانون خاص يوحد وينظم العمل بالطب الشرعي على مستوى الدولة حتى يصل لأعلى المستويات ويطبق أفضل الممارسات العالمية في المجال، ويضيف د . أحمد أن دبي تصل لمصاف العالمية، باستضافتها في الأشهر المقبلة، مؤتمر الأكاديمية العالمية للطب الشرعي الذي ينظم لأول مرة خارج أوروبا وسيكون في الفترة ما بين 19 إلى 21 من يناير/ كانون الثاني المقبل .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"