والهجرة لغة تعني ترك شيء إلى آخر، أو الانتقال من حال إلى حال أو من بلد إلى بلد، يقول عز وجل: "والرجز فاهجر"، ويقول تعالى: "واهجرهم هجراً جميلاً"، والهجرة بالمعنى الاصطلاحي هي الانتقال من بلاد الشرك إلى بلد الإسلام، ونقلة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة، ونقلة كبيرة من مرحلة الدعوة بعدما استوفت زمانها وفعلت فعلها إلى مرحلة الدولة .
في هجرته خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً إلا من صاحبه، لا حشد من الأحباب والأتباع، لا جيوش ولا مواكب، ليس غير الله وصاحبه في الغار يهمس خائفاً: (يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا)، فيجيبه المهاجر إلى الله، الواثق بما عند الله، المستيقن من تأييد ربه له: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا) .
ما أحوجنا إلى أن نعيش بقلوبنا وعقولنا ومشاعرنا وواقعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، من دار ساد فيها الباطل إلى دار يقام فيها للحق دولة، وما أحوجنا إلى تدبر ما حوت من الدروس والعبر، وما أحوجنا إلى تذكر أن الهجرة باقية، فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والنسائي: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، وقد عرفنا رسولنا الكريم معنى الهجرة حين سئل صلى الله عليه وسلم: ما أفضل الهجرة؟ قال: (من هجر ما حرم الله)، وعرف المهاجر فقال صلى الله عليه وسلم (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) .
توسيع معنى الهجرة
وقد وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الهجرة فقال: (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، فالممتنعون عن أكل الربا مهاجرون إلى الله، والتائب عن الخمر تائب إلى ربه مهاجر إليه، والمنتقلون من موقع كانوا فيه من عصاة الله إلى موقع يكونون فيه في طاعة الله مهاجرون إلى الله ورسوله، والمتحولون من حرفة لا ترضي الله ورسوله إلى حرفة يبتغون فيها رضا الله ورسوله مهاجرون في سبيل الله، وكل من يترك علاقة فيها إثم وسخط من الله إلى علاقة فيها طاعة ورضا من الله هو مهاجر في سبيله، والخارجون من نمط حياة يقلد فيه الغرب والشرق إلى نمط حياة رسمت تفاصيلها في كتاب الله وسنة رسوله هم مهاجرون في سبيل الله، مقبلون عليه، وكل هجرة لسلوك لا يرعى فيه المرء حق الناس وحق الله إلى سلوك يرعى فيه كل الحقوق هي هجرة إلى الله ورسوله، وكل ترك لمكان فيه معصية لله إلى مكان فيه طاعته هو ترك في سبيل الله وهجرة إليه، والتائب من الذنب كله، صغيره وكبيره، مهاجر إلى الله، والفتاة التي التزمت بالحجاب مخافة الله هي مهاجرة إليه، والزاني الذي وقف عن الزنى وقال: إني أخاف الله رب العالمين مهاجر إلى الله، والممتنع عن الرشوة أخذاً وعطاءً مهاجر إلى الله ورسوله، والقائمون الليل مهاجرون إلى الله، والعاكفون في المساجد مهاجرون إلى الله، كل هؤلاء مهاجرون إلى الله ومجاهدون في سبيله، وعلى توفيقه وهدايته إلى الحق، بقدر ما يعملون وبقدر ما يهجرون .
قضية كل عصر
والهجرة أساسها النية، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"، كما ذكر رسولنا الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه، والهجرة عنده هجرتان، لا ثالث لهما، هجرة إلى الله، وهجرة لغير الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا"، وهو المعنى نفسه الذي ربطته الآية الكريمة في سورة التوبة التي ربطت الاستنفار بحادثة الهجرة:
"يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أثاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ . إِلا تَنفِرُواْ يُعَذبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُروهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ . إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِن اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيدَهُ بِجُنُودٍ لمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُواْ السفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" . (التوبة: 38 - 41) .
وهذا خطابٌ كان للسابقين من المؤمنين حظ فيه، وحظنا فيه أكبر، هم رأوا مِنَنَ الله على نبيه وعليهم وعرفوا عاقبة الإخلاد إلى الأرض، وارتبطت الهجرة عندهم بالجهاد في سبيل الله، وربطها ربهم بترك الدنيا والفزع إلى الآخرة، وهي قضيةُ كل عصر، وحديثُ كل ساعة، وهي الشفاء من كل مرض والدواء من كل داء، تلك هي الهجرة، نفرة في سبيل الله، ونزع النفس من التثاقل إلى الأرض رضاء بالحياة الدنيا، وانحيازاً لها ونسيان الآخرة، وكل عام يجيء هو دعوة جديدة للنفرة في سبيل الله، دعوة متجددة للهجرة إلى الله، دعوة لسبر غور العبر التي تنادي على أهل الإيمان المشغولين بجمع حطام الدنيا عن الآخرة، المنغمسين في متاع الحياة الفاني، المبتعدين عن مراد الله عز وجل منهم .
عبرة متجددة
الهجرة ليست حديث كل عام المكرر عن تلك الرحلة المباركة من مكة إلى المدينة، والعبرة المتجددة فيها تكاد تغيب عنا ونحن أحوج إليها من غيرنا، وقد تثاقلنا إلى الأرض، ورضينا بالحياة الدنيا من الآخرة، ونسينا قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع؟"، هذه هي الدنيا فهي بكل ما فيها من شهوات، وبكل ما فيها من حظوظ ونفوذ، وبكل ما يزينها من متع ونزوات، ومناصب ومواقع، وفقر وغنى، كلها جميعاً إذا قورنت بالآخرة ليست إلا كمقدار ما يعلق بإصبع أحدكم إذا ما وضعه في الماء، فيا لحقارة ما نتعارك عليه، ويا لصغار ما نتخاصم من أجله، ويا لخبث ما نتخابث من أجل الفوز به، ويا لوضاعة ما انكببنا عليه وتركنا في سبيله سبيل ربنا، وهداية رسولنا، وابتعدنا من أجله عن ديننا، وحُدْنا عن الطريق إلى الله .
الهجرة في حقيقتها دعوة سنوية مفتوحة لكل مسلم ليهاجر إلى الله من معاصيه ومخالفاته، دعوة مفتوحة لها أبواب السماء لقبول المهاجرين إلى الله من عاداتهم ومألوف ما درجوا عليه من غياب عن ساحة الله، حيث يريد الله أن يجدهم، وما لبثوا فيه من التواجد حيث نهاهم الله ولا يريد أن يجدهم فيه .
دعوة تتجدد مع كل نفير ينبئ عن ساعة رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض الشرك والمشركين إلى أرض الإيمان والتوحيد، دعوة للخروج من كل باطل إلى الحق الكامل، دعوة لتصحيح إيمانك، وتقويم توحيدك، وتصحيح مسارك، وتوجيه بوصلتك إلى الإقبال على الله .
محمد حماد