تتناول العديد من مواقع الانترنت العربية قصة مطعم أوروبي اصر صاحبه على أن يكتب على بابه ممنوع دخول العرب وعندما احتج بعض العرب على هذه العبارة المسيئة لهم وذهبوا لمناقشة صاحب المطعم ومطالبته برفعها ساق لهم من المبررات ما يعطيه الحق في منع دخول الشباب العربي الذي لا يحسن آداب الطعام وآداب التعامل داخل هذا المطعم الراقي الذي تقبل عليه نوعية معينة من الناس.
قال صاحب المطعم الأوروبي: أنا لا اقصد الإساءة للعرب، ولكن من واقع التجربة تأكدنا أن كثيرا من الزائرين العرب يتعاملون داخل المطعم بسلوك منفر للأوروبيين المترددين عليه، فهم يحركون طاولات الطعام من أماكنها الموضوعة فيها بدقة رغم أنف الموظفين والعاملين في المطعم، وهم يغمسون أصابعهم في أطباق الطعام، وكثير منهم لا يستخدمون أدوات المائدة من ملاعق وشوك وسكاكين أثناء تناولهم الطعام، بل يستخدمون أياديهم بصورة منفرة لباقي المترددين على المطعم من الأوروبيين، والى جانب ذلك رأينا بعضهم يهرش في ظهره ببعض أدوات الطعام. ويتبادلون الأحاديث على الطعام فضلا عن الضحكات والنكات بصوت مزعج لكل الموجودين في المكان، ونتيجة لهذه السلوكيات وغيرها فضلنا أن نقصر التعامل على الأوروبيين الذين يلتزمون بالقواعد الصارمة المطبقة داخل المطعم مع كامل الاحترام والتقدير للعرب.
هذه الحكاية أو الحدوتة الموجودة على عدد من مواقع الانترنت العربية المعنية بالسلوك العام تفرض علينا الحديث عن آداب الطعام التي حث عليها الإسلام وطالب أتباعه بالالتزام بها ويتفوق السلوك الإسلامي من خلالها على كل السلوكيات الغربية التي ترفع شعارات المدنية والتحضر والتقدم وإجادة فن الاتيكيت خاصة في الأماكن العامة وفي مقدمتها المطاعم.
سلوكيات مرفوضة
يقول الدكتور محمد عبد الغني شامة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: مشكلتنا نحن العرب والمسلمين أننا نسيء إلى ديننا والى عروبتنا بتصرفات وسلوكيات بعيدة كل البعد عن السلوك الإسلامي الذي يشع كل معاني الذوق والأدب واحترام مشاعر الآخرين، وما ذكر في هذه الحكاية قد يكون صحيحا، وقد يحمل بعض المبالغات، لكن الصحيح والمؤكد والذي لا خلاف عليه هو أننا لا نحسن التعامل على موائد الطعام، ولا نحرص على الالتزام بالنظام المعمول به في الأماكن التي نذهب إليها، وتصدر عن بعضنا أو كثير منا سلوكيات لا يقرها ديننا ولا تتفق مع قيم وأخلاقيات حضارتنا، فنحن الذين علمنا الغربيين الآداب والسلوكيات الفاضلة، حيث تعلموا منا كل فنون الاتيكيت ونحن للأسف تخلينا عنها وشاعت بيننا أنماط من السلوك المرفوض.
ويضيف: لو قيمنا سلوكنا العام على موائد الطعام لوجدنا معظمه مخالفا لما حث عليه الإسلام، فالإسلام على عكس ما يفهم كثير من الناس لم يأمرنا بأن نأكل بأيدينا ونترك أدوات المائدة التي تساعدنا على ذلك، والتي تضبط جانبا من سلوكنا العام مع الطعام، فترك أدوات المائدة والأكل باليد ووضع الأيادي في أطباق الطعام ليس مطلبا إسلاميا، بل على العكس فما دام هذا الأمر منفرا فهو مرفوض إسلاميا، فالإسلام يرفض ويدين كل تصرف أو سلوك يؤذي مشاعر الآخرين، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى يد غلام عمر بن أبي سلمى تطيش في صحفة الطعام قال له: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك.
والمسلم في طعامه وشرابه ليس نهما ولا يأكل بشكل حيواني أو بأسلوب مقزز، بل تعاليم دينه تحثه على أن يأكل بلطف ورقة وأدب.
الطعام الحلال
وعلى مائدة الطعام هناك العديد من الآداب الإسلامية التي ينبغي أن نلتزم بها ونحرص عليها من أبرزها:
* الحرص على الطعام الحلال والبعد عن كل الأطعمة والمشروبات المحرمة، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بأن نأكل من الطيبات فقال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.
* اتباع كل الوسائل واستخدام كل الأدوات التي لا تنفر الجالسين معنا ومن حولنا من الطعام وفي مقدمة ذلك استخدام أدوات الطعام الموجودة في المكان المعد للطعام، فليس من اللائق أو الذوق العام أن يجلس مسلم ويأكل بيديه وسط مجموعة من الناس تأكل بالشوك والملاعق والسكاكين المعدة لذلك، بل واجب المسلم الحرص على كل ما يظهره بالشكل الحضاري اللائق به والمجسد لقيم ومبادئ وأخلاقيات الدين الذي ينتمي إليه.
* ينبغي للمسلم ألا يعيب طعاما، فإذا قدم له طعام وتذوقه أكله، وإذا ما عافته نفسه انصرف عنه دون جرح لمشاعر من قدموه له، أو تنفير لمن يأكلون معه، هكذا كان يفعل رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد كان لا يذم طعاماً قدم إليه، فإن أعجبه أكل وإلا امسك.
روي عن خالد بن الوليد قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بضب مشوي فأهدي إليه ليأكل، فقيل له: إنه ضب، فأمسك يده، فقال خالد: أحرام هو؟
قال عليه الصلاة والسلام: لا، ولكنه لا يكون بأرض قومي فأجدني أعافه، فأكل خالد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، وهنا نرى موقف الرسول الذي لم ينفر من يجلس معه من الطعام، بل ظل جالسا معه على مائدة الطعام حتى فرغ من طعامه.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل ويكره الأشياء التي لها رائحة كريهة، ولذلك قال في الحديث الصحيح: من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا، وليس في ذلك تحريم لأكلهما وإنما كراهة ذلك لمن يخالط الناس ويجلس معهم احتراما لمشاعرهم، وحرصا على أن تظل رائحة المسلم طيبة ومرغوبة.
لا تفرقه ولا تطفل
* الإسلام يقر مبادئ المساواة على موائد الطعام لا فرق بين سيد وخادم، وهذا ليس ضد قواعد الاتيكيت المعمول بها على موائد الطعام، ولكنه التطبيق العملي الواقعي لمبادئ المساواة والعدل بين الناس، ولذلك يرفض الإسلام أن يجلس الإنسان على مائدة الطعام ليأكل وسائقه أو مساعده أو من يقوم على خدمته ينظر ويتحسر ويتألم، ولذلك كان من الأدب الإسلامي أن يأكل الإنسان مع خادمه الذي يعد له الطعام، فإن لم يرض بذلك أو كان هناك ما يمنع وفق قواعد العرف المعمول بها، فلا اقل من أن يطعمه مما يطعم، وقد نصحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين فإنه ولي حره وعلاجه.
* لا يجوز لمسلم أن يتطفل على مائدة طعام، ومن الأدب الإسلامي ألا يجلس المسلم لتناول طعام خارج بيته إلا إذا دعي إليه بشكل كريم، وعلمنا إسلامنا أن التطفل على الموائد ممقوت ولا يتناسب وكرامة الإنسان وفيه معصيتان: الأكل لما لم يدع، والدخول إلى منزل غيره دون استئذان والنظر إلى أسراره والتضييق على من عنده.
* إذا دعي المسلم إلى طعام في منزل فعليه ألا يذهب إليه إلا قبيل الانتهاء من إعداده حتى لا يجرح أهل البيت ويضيق عليهم، فإذا أكل الإنسان خرج شاكرا لرب البيت من غير تباطؤ واستثقال في الجلوس.
* على المسلم أن يدعو لصاحب الطعام، ومن الأدعية التي أرشدنا إليها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار، وتنزلت عليكم الرحمة، وصلت عليكم الملائكة.
وأيضا: اللهم اشبع جياع امة محمد صلى الله عليه وسلم واكس عاريها، وعاف مرضاها، ورد غائبها، واجمع شمل أهل الدار، وأدر أرزاقهم واجعل دخولنا بركة وخروجنا مغفرة.
ما أحوجنا جميعا إلى التأدب بهذه الآداب حتى نجسد قيم التحضر والرقي والحرص على الذوق العام على موائد الطعام.